الرواية والنفط!
صادق کلعنبري
تتبنى هذه القراءة رؤية مفادها أن الولايات المتحدة ووسائل إعلامية مثل "أكسيوس" (Axios)، عبر صناعة رواية ممنهجة وهادفة حول المفاوضات، يعملون على إدارة الرأي العام والأسواق المالية العالمية في آن واحد. وفي المقابل، فقدت إيران "زمام المبادرة في صياغة الرواية" بسبب الانفعال الإعلامي واللجوء إلى لغة العموميات؛ ويرى الكاتب أن هذا الوضع قد ساعد "ترامب" في السيطرة على التداعيات الاقتصادية للحرب وأزمة الطاقة.
في حين أن الرواية الرسمية الإيرانية أثارت نوعاً من الغموض حول أهداف المفاوضات ومضمونها، بل وعززت الشبهات حول عدم رغبة طهران في التوصل إلى اتفاق. وفي الختام، وبالإشارة إلى رفض ترامب السريع للرد الإيراني واتصاله بنتنياهو، يطرح المقال احتمالية تصاعد التوترات مجدداً، معتبراً أن الحل يكمن في تقديم تقارير أكثر شفافية واستمرارية حول سير العملية التفاوضية.
يقوم موقع «أكسيوس» الأمريكي والمراسله الإسرائیلي «باراك رافيد»، بين الحين والآخر، بنشر تقارير حول المفاوضات تثير موجةً عالمية؛ فمن جهة، تضع الطرف الإيراني في كل مرة في موقع الانفعال والنفي، وتجعل الرأي العام والناشطين يواجهون تساؤلات متزايدة حول الوقائع الجارية في كواليس المفاوضات. ومن جهة أخرى، يتلاعبون بالمؤشرات الكلية للاقتصاد العالمي عبر صدمات هبوطية مستمرة.
ويدخل «ترامب» نفسه على الخط مباشرة للمساعدة، والنتيجة هي أنه خلال هذين الشهرين ونيف، تمكن من إدارة والتحكم في التداعيات الثقيلة للحرب ومنع القفزات الهائلة في الأسعار؛ وفي الوقت نفسه، يقوم هو والمقربون منه بالمضاربة وتحقيق أرباح طائلة من تقلبات الأسواق المالية العالمية. كما يخلق لنفسه ولسياساته الحربية متنفساً؛ وعندما يتم التحكم في أسعار الطاقة العالمية وخفضها لتصل إلى نقطة معينة، يقوم فجأة بإجراءٍ يهدف إلى تصعيد التوتر، تماماً كما حدث الليلة الماضية في مضيق هرمز؛ وهذه الدورة لا تزال مستمرة.
نعم! إن التداعيات الاقتصادية للحرب في أمريكا والعالم ملموسة ومستمرة، وتفرض ضغوطاً جادة على الإدارة الأمريكية؛ لكن ترامب، عبر استراتيجيته المذكورة، تمكن إلى حد ما من احتواء هذه التداعيات. فبينما كان المراقبون يتوقعون قبل الحرب وإغلاق مضيق هرمز أن يؤدي هذا الحدث إلى وصول سعر النفط إلى ما فوق ۲۰۰ و ۳۰۰ دولار، حالت الحكومة الأمريكية دون ذلك عبر هذه «الرواية الإعلامية الاقتصادية» وأبقت السعر في حدود مئة دولار.
وبغض النظر عن تأثيرات الرواية الإيرانية غير الرسمية -بما في ذلك مقاطع الفيديو المصممة بأسلوب «الليغو»- على الرأي العام العالمي والأمريكي، إلا أن الرواية الرسمية للمفاوضات غالباً ما كانت في موقع الانفعال؛ وفي هذا الصدد، فإن زمام المبادرة في ساحة «صناعة الرواية» وإثارة الأمواج وتوجيه التيارات بات في يد الطرف الآخر.
وبالطبع، لا يقتصر ضعف الرواية الرسمية للمفاوضات على مجرد الانفعال، بل إن اللجوء إلى «لغة العموميات» قد زاد الطين بلة؛ وكأن الرواية لا تزال تُدار بعقلية أيام الحرب العسكرية. ورغم أن توقع بيان كافة تفاصيل المفاوضات في وسائل الإعلام ليس أمراً منطقياً، إلا أن الاكتفاء بالعموميات لن يكون حلاً أيضاً. فعلى سبيل المثال، لم يعد لتكرار كلمات مفتاحية مثل «الأطماع الأمريكية» في الرواية الرسمية، دون ذكر مصاديق وأمثلة محددة، الفعالية اللازمة أمام الرواية التفصيلية الممنهجة للطرف المقابل.
علاوة على ذلك، فإن مجمل الرواية الإيرانية توحي للمتلقي -ظاهرياً- بأن طهران لا تملك رغبة في التوصل إلى اتفاق، وأنها لا تطلب سوى الاستسلام غير المشروط من الجانب الأمريكي. ومن ذلك، طرح مواقف عامة دون الخوض في التفاصيل، مثل القول بأنه «لن تجري أي مفاوضات حتى بشأن الملف النووي»؛ ورغم أن ذكر هذا الموقف دون توضيح قد يروق لبعض الأوساط الداخلية، إلا أنه يثير تساؤلاً وغموضاً حقيقياً حول المحور الأساسي لهذه المفاوضات. فإذا كان الهدف منها هو إنهاء الحرب -كما يُشاع- يتساءل الكثيرون: كيف تقبل أمريكا بمثل هذا الاتفاق دون التطرق للملف النووي؟ إن افتراض أمر كهذا يعني الضعف المفرط للولايات المتحدة، وإذا كانت واشنطن بهذا القدر من الضعف، فما الداعي للتفاوض معها أصلاً؟ إن هذا النمط من صياغة الرواية في خضم الأزمة الاقتصادية المؤرقة له تبعاته وتداعياته الخاصة.
ولحسن حظ الطرف الإيراني أن خصمه هو «ترامب»، الذي يضع نفسه دون قصد في موضع الاتهام بعرقلة أي اتفاق ثنائي بسبب أدبياته المتغطرسة وتكرار مفردة «الاستسلام»؛ فضلاً عن تقديمه مادة دعائية مجانية بين الحين والآخر، بدءاً من التهديد بـ«العودة إلى العصر الحجري» وصولاً إلى وصف «القراصنة». حقاً، لولا «ثرثرة» ترامب هذه لكان الوضع مختلفاً...
في ظل هذه الظروف، ولأجل إضعاف سلاح ترامب في الإدارة الإعلامية للأسواق المالية العالمية -وليس فقط من باب الإحاطة والإجابة على التساؤلات- لماذا لا يقدم المسؤولون المعنيون بين فترة وأخرى تقريراً شفافاً وموثقاً عن سير المفاوضات؟ هنا، لم يعد لمبرر «السرية» أي محل من الإعراب؛ إذ إن إبقاء وقائع المفاوضات سرية يكون منطقياً فقط عندما لا تكون أمريكا وإسرائیل هما الطرفان الآخران، ويكون هناك خشية من أن يؤدي كشف التفاصيل إلى عرقلتهما للمسار. أما عندما تكون أمريكا هي طرف التفاوض نفسه، وتكون إسرائیل مطلعة على التفاصيل قبل الجميع، فلا يبقى هناك شيء سري.
إن السبيل المنطقي لمواجهة رواية «أكسيوس» وترامب ليس الانفعال والنفي المتكرر، بل تقديم تقارير مستمرة وشفافة عن عملية التفاوض. أما سبب هذا الصمت والانفعال فيعود لأحد أمرين: إما عدم الإدراك لأهمية «الرواية» وعدم الشعور بضرورتها، أو الخوف من رد فعل تيار معين يفضل الصمت تجاه ما يجري في كواليس المفاوضات. وفي كلتا الحالتين، تكون النتيجة منح الطرف الآخر المرجعية المطلقة في صياغة الرواية حول المفاوضات.

الآراء