مبادیء و حلول

بسم الله الرحمن الرحيم  

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام علی رسول الله وعلی آله و‌أصحابه وأتباعه أجمعين إلی يوم الدين. 

لاشك أنّ الإنسان بما له من خصائص كنفخ روح الله فيه وكونه ذا عقل ونطق واختيار و. . .، له مكانة خاصة بين سائر المخلوقات، وأنّه خلافاً لسائر المخلوقات يستطيع أن يغيّر الكون وينمّي الحضارة والتكنولوجيا بما له من طموحات وعقل مدبّر. فالإنسان وهو صاحب كلّ هذه الصلاحيات، لايزال في اكتمال وازديادٍ كمّاً وكيفاً. ونوعية عمل هذه الصلاحيات في حياة الإنسان ومصيره، إنما تتعلّق أساساً بكيفية وجوده. ووجودنا نحن الآدميين إنما هو حصيلة التوارث والذات والبيئة، وتحاول المجتمعات البشرية أن ترشد عملية تربية الإنسان وأثر هذه العوامل الثلاثة في تکوين شخصيته نحو المقاصد المرجوّة بالتعليم والتربية والمؤسسات المعنية بها، لکي یتمّ بناء الفرد الفاضل والمهذب، والمجتمع المتجاوب مع الفضائل حتي تتمتع الحياة الفردية والاجتماعية للبشر بالكمال والطمأنينة والازدهار. 

بناءً علی ذلك، وفي نهایات العهد البهلوي قد وصل فئة من العلماء والمفكرين من أهل السنة والجماعة في إيران بعد مشاورات مكثّفة - مستلهمين من تعاليم القرآن والسنة النبوية والتيار العالمي للصحوة الإسلامية - إلی أن النجاح في الحياة وصيانة الشخصية وكمالها وأداء الدور الإيجابي في المجتمع، يحتاج إلی توحيد الأفكار والخطوات حتي يتناجوا بالغدو والآصال مع الكون المسبّح للرب، المقدس له، شعار"اياك نعبد واياك نستعين". وفي النهاية قرّروا أن يدخلوا ساحة العمل، بمرجعية مدرسة الإسلام، مؤكدين علی القيم الأساسية؛ "التوحيد في التصور، والأخلاق في الحياة الفردية، والحرية والعدالة في الحياة الاجتماعية " وكل ذلك في ضوء فقه الأحكام ومقاصد الشريعة وفقه الواقع وفقه الأولويات، متوكلين علی الله الخالق القادر، وأن يحققوا طموحاتهم ويواصلوا خطواتهم بانتهاج تربية الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، في ضوء تعاليم القرآن الكريم. 

كانت حصيلة تلك المشاورات، أن برزت جمعية مدنية ذات مرجعية إسلامية، والتي تسمّی اليوم "جماعة الدعوة والإصلاح الإيرانیة" والتي لها نشاطات واسعة في كل المناطق التي تقطنها أهل السنة والجماعة في إيران. 

ولقد حظيت الجماعة بفضل ‌الله وجهود أتباعها المخلصين -رغم الصعوبات الكثيرة- بمصاحبة جمع غفير من أهل الصلاح والدين من أهل السنة في إيران، من مختلف شرائح المجتمع كعلماء الدين وأساتذة الجامعات، والمفكرين، والمعلّمين، وطلاب الجامعات، وطلبة المدارس الشرعیة الأهلیة، والسوقة والعمال وغيرهم. کما حاولت الجماعة أن يكون لها دور إيجابي في أداء مسؤولياتها الدينية والإنسانية المختلفة، كالدعوة إلی مبادئ الإسلام الأصيل بالحكمة والموعظة الحسنة، والتربية الأخلاقية والدينية لتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، وبذل الجهد لبناء المساجد والمدارس الشرعیة الأهلیة وتأليف الكتب وترجمتها وطبع المقالات والكتب العقدية‌ والفقهية والتاريخية وغيرها ونشرها علی مستوی البلاد، والدفاع عن إقامة الحرية والعدالة في البلاد، وخاصة بذل الجهد لتسليط الضوء علی حقوق أهل السنة والجماعة ومطالباتهم والدفاع عنها في الإعلام، ودعم مشروع التنمیة السیاسیة سعیا لإيجاد مناخ يتيح للمواطنين الدخولَ في عملية المشارکة والمنافسة السياسية، واتخاذ خطوات لتحقيق التقارب بين أتباع المذاهب الإسلامية، مؤكدةً علی ضرورة قبول الآخر كشرط مُسبق للوحدة وحفظ الأمن والوئام في المجتمع و... . 

وفي الوقت ذاته تدرك جماعة الدعوة والإصلاح مكانتها ومسؤوليتها الدينية وخطورتها، وتدرك شرف المواطن الإيراني وكفاءته ورشده، فهي لا تباهي بهذه الجهود المتواضعة، وإنّما تباهي بما كان لها من نشاطات طويلة المدی في ظروف إيران الخاصة، ولم تقم بأي عمل يخالف مصالح الشعب الإيراني وعزّه وفخاره. 

وقد قرّرت الجماعة في الفترة الأخيرة من نشاطاتها، أن تبدي عن مبادئها الأساسية ومواقفها بشکل وجیز للمواطنين وخاصة الناشطين في الساحتين الاجتماعية والسياسية، كي تعرّف نفسها بطريقة جيدة وتهيئ المجال للتعامل مع الآخرين. وبذلك تكون الجماعة قد اعتنت بحقوق المواطنين في تعرّفهم علی القوی الناشطة في المجتمع، وأنّها قد عرّفت نفسها حسبما تريد. 

إنّ جماعة الدعوة والإصلاح الإیرانية، بما أنها لا تعتبر برامجها التفسيرَ الوحيد والأصحّ للإسلام، فهي ترحب باقتراحات المفكرين والناشطين، وانتقاداتهم وترنو إلی يوم يبلغ "التوحيد في التصور، والأخلاق في السلوك الفردي، والحرية والعدالة في الاجتماع" أقصی مداه، حتی يستطيع الناس أن يعبدوا الخالق ويخدموا الخلق في عالم عامر بالخير. وما ذلك علی الله بعزيز.

إنّ انهماك الإنسان المعاصر في حاجاته المادية والجسدية، سواء كان الباعث له الفقر المدقع أو الانغماس في الأهواء والملذات، قد أدي إلی إصابته بمرض أو أزمة يمكن أن نسميها "الأزمة المعن‍وية" أو "الفقر المعنوي". ونستطيع القول بأنّ هذا الأمر قد مهد السبيل لكثير من الاضطرابات ونشوب الحروب وارتکاب الجرائم، ويدل علی ذلك وقوع الحروب العنصرية والطائفية والقبلية، وشيوع الصدمات النفسية وانتشار الكآبة والفساد الشامل الذي أدی إلی تضعیف مکانة الأسرة وازدياد الجرائم حتی بحق الأطفال. 

نحن نعتقد أن الإنسان وإن حصل علی كثير من الإنجازات العلمية والتقنيه، وذلک ‌بفضل جهوده واستخدام عقله، ومهد الطريق لحريته أکثر من ذي قبل، ولكنه خاب في اكتساب تحرره المنشود، ومن حيث أنه لا يتمتع بالمعنوية اللازمة فإنّ إنسانيته قد تعرضت للأخطار، ‌وليس بمستبعد أن تستخدم حصيلة جهوده وانجازاته العلمية في سبيل تدمير إنسانيته. 

ولا يعني «البحث عن المعنوية» في عالمنا اليوم إلا العناية بالحاجات النفسية واللامادية للفوز بالكمال الإنساني وإشاعة المعاني والقيم في الحياة واستعادة الطمأنينة والراحة إليها. في حين قد بُذِلَت جهودٌ كثيرة لملأ الفراغ المعنوية في حياة الإنسان المعاصر. إن مذاهب علم النفس والعلاج النفساني والاستشارة، والديانات الهندية والطرق الصوفية المختلفة والأندية الرياضية وغيرها، ‌تبذل جهوداً‌ جبارة لإحياء المعنوية، ولكن حصيلة هذه الجهود كانت ضئيلة في تلبية الحاجة المذكورة، لأن كل واحد منها قد اعتنت بزاوية خاصة من الكيان المعقّد للإنسان، ولم يستطع أن يعتني بكل أبعاد الإنسان وشخصيته وموقعه في الكون و‌صِلَته بسائر المخلوقات. ولذلك نحن نعتقد أن هذا الأمر بمقدور خالق الإنسان والكون وهو وحده يستطيع أن يحل أزمات الإنسان الروحية. 

والإسلام باعتباره ديناً مرضياً عند الله وذا کتاب أصيل ومصون عن أيادي الزمن، قد اعتني بالأبعاد المختلفة لكيان الإنسان، ولکونه ذو رؤية واقعية عن الإنسان قد اتخذ خطوات حاسمة في سبيل نشر "المعنوية" وتوجيه الحياة نحو الأهداف السامية وترغيب الإنسان إلی تنمية استعداداته والصعود إلی أعلی قمة الإنسانية، کما حذّره من الاعتناء الشديد بمظاهر الحياة، والرکون إلی الدنيا وزخارفها. 

ليست المعنوية في الإسلام تجربة روحية، أو عاطفة دينية فردية يمكن الوصول إليها في بعض اللحظات الممتازة عن طريق الأدب الرومانسي والعبارات الحلوة الخلابة، أو في بعض الحركات الرياضية، أو باستماع الخطب الروحية، أو في بعض حالات الخلوة والخلسات، بل إن المعنوية في الإسلام هي الحياة نفسها والجهود التي نمارسها في حياتنا اليومية، شريطة أن تمتزج بذكر الله تعالی وتتحلّی بالفضائل والقيم الخلقية والإنسانية، فالغفلة عن الله ونسیانه تؤديان إلی الغفلة عن الذات والشعور بالعبث في الحياة. فالإيمان هو محور المعنوية في الإسلام ويتجلی أهم نتايجه فيما يلي:

توسيع آفاق تصور الإنسان وجعل الحياة هادفة باستخدام الطرق التاليه:

الشعور بمراقبة الله سبحانه وتعالی في الكون كله وإشرافه علی سلوك المخلوقات والعلم بأن كل ما يحدث في العالم من تغيیر وتطور، إنما هو بإرادة الله وأن بقاء الكون قائم باستدامة عنايته. والله هو خالق العباد ورازقهم وهو الذي يسمع دعائهم ونجواهم ويغيثهم وهو الذي يهيئ وسائل رشدهم ونموهم ويزيل الحواجز علی طريقهم، ومع أن الله قد أودع في الإنسان قوي وملكات كالعقل والإرادة والتفكير إلا أنه قد أنعم عليه، وبعث الرُّسل والأنبياء بالهدي والفرقان، والكتب السماوية، كي يسهّلَ عليه معرفة طريق السعادة وسلوكها إن أراد الإنسان نفسه. 

التطلّع إلی دوام الحياة و‌رفض الاعتقاد بفناء الانسان بعد الموت، وهذا الأمر يتحقق بالإيمان بيوم البعث، الذي يثاب أو يعاقب فيه كل واحد حسب أعماله الحسنة أو السيئة التي قدّمها. وتدوم الحياة في الآخرة، من غير نقص ولا بغض ولا نفور ولا شجار ولا تعب ولا مرض ولا شيخوخة ولا موت ولا فناء، ويحصل الإنسان فيها علی أجوبة كثير من الأسئلة التي کانت من أسباب قلقه في الدنيا. وبهذا يزداد الشعور بالمسؤولية وحب الحياة في الإنسان وتتسع آفاق نظرته نحو الحياة ويتجنب الخوض في الماديات البحتة والانغماس في الذنوب والمعاصي، وإذن يتذوق طعم المعنوية في الحياة. 

التناغم مع الكون في تسبيح الله وتقديسه:

عندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة يری الكون حياً وصديقاً حميماً وأثراً من آثار رحمة الله وفضله وناصراً ومعيناً لنفسه في طريق العبودية والازدهار بدل أن يشعر بالتنافر والعداء بينه وبين الكون:﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. (الإسراء/44) 

أداء العبادات:

إن الحياة كلها تعتبر عبادة إذا كانت موافقة للشريعة، إلا أن هناك شعائر هامة تمثل ذروة العبودية، وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج. المسلم أينما كان، عندما يسمع الأذان الداعي إلی قمة المعنوية، يترك نشاطاته کلها خمس مرات في الليل والنهار، ويناجي ربه مباشرة ويحمده ويثني عليه بأحسن العبارات وبطریقة محددة، وبذلك يتذكر دائما مبدأ حياته ومقصده وغايته كما يتذكر مكانته في الكون. 

وعندما يبلغ رأس مال المسلم إلی حد معين، يلزم نفسه إخراج جزء منه، وهو الذي يسمی الزكاة. والمسلم الذي ‌‌‌يؤدي زكاة ماله، يبتغي رضوان ربه ويواسي أبناء جلدته ويسيطر علی دواعي الطمع وحب المال، حتي لا ينكدر خاطره بالإعجاب بالمال ولا يضحي بشخصيته الإنسانية في سبيله. 

إنّ المسلمين في كل سنة ولمدة شهر يحدثون تغييراً  جذرياً في حياتهم الفردية والاجتماعية؛ فيتغلّبون علی العادات ويقلّلون من الأکل والشرب والنوم، والنشاطات المعتادة للعين والأذن واللسان، ويمارسون ذلک شهراً کاملاً في مدرسة رمضان، حيث يصلون إلی درجة يستطيعون أن يغلبوا علی الدوافع والحاجات المادية والفيزيولوجية، التي لها أثر بالغ في إبعاد الإنسان عن المعنوية. 

والله تعالي وهو الرحمن الرحيم يدعو عباده مرة في حياتهم، إلی أن يحجوا بيت الله تارکين ورائهم الأموال والأولاد والأوطان، تربيةً لهم وترفيعاً لمعنوياتهم، وخلال هذا السفر المعنوي يجمعهم في مكان مقدس بإسم المكة المكرمة، كي تصفو قلوبهم وتقر عيونهم وتزول أدران النفور والبغضاء المنبعثة من الخلافات الطبقية وغيرها عن أرواحهم ونفوسهم، وذلك بالاستقرار في هذا الجو الإيماني والروحاني، جنباً إلی جنب مع المسلمين الآخرين من مختلف البلدان والألوان والأقوام والأجناس واللغات. 

إنّ هذه الشعائر والعبادات إذا أُدّيت بطريقة صحيحة ومقبولة عند الله تعالي، تهيئ المسلمين للجهاد في سبيل الله. وليس الجهاد إلا تفريغ الوسع وبذل الطاقه في سبيل رضوان الله تعالي، الذي يحصل بتزكية النفس وخدمة العباد عن طريق تمهيد المجال لتنمية مواهبهم وحرياتهم وتقليص ظل الفساد والعنصرية والاستبداد عنهم. 

والمسلمون يستعرضون لإعلاء معنوياتهم وبالاستعانة من عباداتهم وشعائرهم، طريقة‌ خاصة في حياتهم الفردية والاجتماعية، طريقة مفعمةً بالسلم والطمأنينة والمعنوية، فيتجلي الذكر والشكر والتوكل والإخلاص والطمأنينة والشهادة في حياتهم الفردية، ويتجلي التقوی والحرية والعدالة والمحبة والإحسان والتعاون والعفو والصفح والإيثار والأخوة في حياتهم الاجتماعية. 

تبدأ حياة المسلمين المعنوية في الجانب الفردي بالذكر الذي يتجلي في ذكر الله والشعور بمعيته في كل حال وفي كل مكان، ويستمر بالشكر، الذي هو التعبير عن العرفان بالجميل عند الله والشعور باحترام الذات والمسؤولية. وهم يحصلون علی الطمأنينة القلبية بالتوكل وتفويض الأمور إلی الله والإخلاص في العمل، ويتهيئون للاستشهاد ويقدّمون کلَّ غالٍ ونفيس في سبيل الله ويستجيبون هذا النداء الرباني: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. (الفجر /27-30)  

إن الحياة الجماعية للمسلمين والمجتمع الإسلامي، إنما تصطبغ بالصبغة المعنوية إذا أصبح المسلمون في حياتهم الفردية مهذبين، كما مرّ ذکره، واستشعروا بالمسؤولية تجاه الآخرين، واجتنبوا عن عدم الاکتراث واللامبالاة أمام الحوادث والظواهر الاجتماعية، وتحابّوا وتراحموا، وتعاونوا علی البر والتقوی وسابقوا فيها، وعفوا وصفحوا عن أخطاء بعضهم البعض، وقللوا من اختلافاتهم بانشراح الصدر والمداراة، وآثروا الآخرين علی أنفسهم في الحالات الحرجة، وساهموا في أفراح الآخرين وأحزانهم، وأخيراً إذا استطاعوا عن سابق تصور وعلم أن يحافظوا علی استقلالهم ويغلبوا علی أنانيتهم، ويجتنبوا حب الذات والإعجاب بالنفس، الذي هو أساس كل ذنب وظلم وعدوان، ويرفعوا أيديهم ضارعين إلی الرّب، قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. (الحشر/10)

وخلاصة القول أن المعنوية في الإسلام، هي الربانية، والتي تعني أن تصطبغ حياة الإنسان بصبغة الله وتزول عن قلبه كل الوشائج إلا حب الله وإطاعة أوامره ونواهيه وأن يعيش الإنسان لله ويموت في سبيله ويعطي ويمنع ويصل ويقطع لله فقط وأن لا يتوکل إلا علی الله تعالی، ولا يخاف أحداً إلا الله ولا يرجو أحداً إلا إياه وأن يلتجئ إليه عند المصيبة والبلاء ومواجهة الاضطرابات النفسية ويستعينه ويحمده ويدعوه ويناجيه:﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الانعام/79)، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الانعام/162).

الحل

التربية وتصحيح الرؤية 

يستمد الإسلام من التربية لغرس شتلة الايمان -التي تعتبر هي اللَّبِنَة الأولي للمعنوية- وتعزيزها ونشرها في الحياة الفردية والاجتماعية. والتربية من منظورنا عملية تدريجية، واقعية، شاملة، متوازنة، إيجابية ومستمرة لبناء شخصية أفراد المجتمع علی أساس القرآن والسنة. وحصيلة هذه العملية إنما هي إنسان صالح له روح توّاقة إلی البحث والبرهان، وهمة عالية وإرادة فولاذية تتحمّل المسؤولية وتحبّ الآخرين، وهذا يعني أن الإنسان الصالح يربط بين الأرض والسماء، والمادة والمعني، والعقل والعاطفة، والدين والدنيا. 

إنّ هذه التربية لها جذور ممتدة في صلب المجتمع ولها نشاط ومشارکة وتخضع للنقد والحوار. وهي تعتمد علی العمل والتعليم والبحث، أكثر من التلقين والخطابة، وعلی الطرق غير الرسمية وغير المباشرة أكثر من الطرق الرسمية والمباشرة. والذين يهتمون بتربية الآخرين، لابد أن يكونوا أسوة عملية ونموذجاً مرموقاً لمعتقداتهم، وإلا ستكون نتيجة عملهم مبتورةً وغير مفيدة، ولربما ستكون له نتائج عكسية أيضاً، لأننا لا نريد التأثير علی الأفراد بالشعارات وتحت الأجواء النفسية والعاطفية الخاصة التي تنتاب الإنسان بعض الأحيان. فلابد أن تكون هذه التربية منبثقة عن وعي وإرادة. نحن نعتقد أنه إذا لم يصل الفرد إلی مرحلة الوعي والرشد والاختيار الصحيح، لابد أن نمهّد له المناخ الطيب لتنمية مواهبه، ونشرف علی عملية إرشاده، دون أن نأمره وننهاه بصورة مباشرة. 

نحن نعتقد أن التربية لابد أن تكون واقعية ومتوازنة؛ لا تغض الطرف من حاجات الإنسان الفكرية والمادية والنفسية ولا تتجاهل قدراته ومواطن ضعفه وجهوده وأخطاءه وهفواته وإناباته. 

إنّ النفس الإنسانية مُلهمة بالخير والشر ولها استعداد للصعود والهبوط، وليس الإنسان شراً مطلقاً ولا هو مبرأ من کل خطأ. وعندما نؤكد علی رُقيّه الروحي وصحته النفسية، لا نتغافل عن حاجاته المادية والجسمية أو نکبتها، كما أننا لا نقوم بتدمير ملامح رشده وأهدافه السامية بذريعة كون حاجاته واقعية. 

ليست التربية من منظورنا مشروعاً يبدأ في وقت محدد وينتهي في وقت آخر. بل هي عملية مستمرة تبدأ بميلاد الإنسان وتنتهي بموته. وهذه التربية لا تحصل في الفراغ وفي زوايا الصوامع والمساجد والخانقاهات ولا تتوقف عندها، کما أنها ليست مادة دراسية، تُدرّس في المدارس، أو مسألة تناقش في الجامعات والمؤتمرات أو في مقالات الصحف والمجلات الاختصاصية فقط، بل هي تحتاج إلی الجهد والتعاون والنقد البناء والحوار في الحياة وأثناء الأعمال اليومية. 

فهذه التربية متوازنة، بمعني أنها تهتم بعقل الإنسان وفكره كما تهتم بعواطفه ومشاعره. ولا تمنع الفرد - بذريعة الاهتمام بالنفس وتزکيتها- من الاعتناء بمشاكل المجتمع والقضايا اليومية، ولا تضحّي الفرد علی حساب الجمع، وکذلک عندما تهتم بتزكية النفس والروح، والعناية بالفرد، فهي لا تفتح الباب علی مصراعيه للتمرد ومخالفة القوانين الاجتماعية وعدم الاهتمام بالمصالح العامة. بعبارة أخری، ‌تجعل العدالة الاجتماعية خطّاً أحمر أمام الحرية الفردية، وتجعل العدالة الاجتماعية تمهيداً للحرية الفردية. 

نحن نهتم بالتربية «الإيجابية» للإنسان؛ تربيةً تجعل الإنسان يفضّل الإعمار علی التدمير، ويقوم بدوره بأقل الوسائل في أحلک الظروف، ولا ينتظر أن يحل الآخرون مشاكله، ولايبرر أخطائه بذریعة مؤامرة العدو ولا يسلّم مصيره ومصير مجتمعه إلی الآخرین بذریعة "ليت" و"لعل" والحيل الشرعية والمصالح السياسية، ولا يتغافل عن مسؤوليته الإنسانية، مستدلاً بفساد الظروف والأفراد، بل ينقد ويعرض الحلول للمشاكل في الوقت نفسه. نحن نريد أن يصل الناس إلی درجة يعلمون ما يريدون، ويستطيعون أن يستبدلوا الواقع الموجود بالواقع المنشود، ويتحملوا مسؤولياتهم كما يطالبون حقوقهم.

كل ما سبق ذکره، يرجع إلی تعريف التربية وأسسها وخصائصها، ولابد للحصول علی هذا النوع من التربية، من وجود وسائل ومناهج ملائمة لها.

للوصول إلی هذا النوع من التربية نعتقد أن تصحيح نظرة الفرد عن نفسه والكون ودوره في الحياة مقدَّم علی كل شيئ، وفي هذا الصدد نستمد من العقيدة، كما بينها القرآن الكريم، العقيدة التي تُبيّن وجود الرب ومراقبته وتأثيره في الكون بلاقيد أو شرط وتجعل السموات والأرض بکل ما لها من عظمة وإمکانیات، مسخرة للإنسان ووسيلة لتنميته وازدهاره وتزيل عن النفوس الشعور بعبثية الخلق وبطلانه عن طريق تصوير عالم آخر ودوام الحياة فيه. 

بعد تصحيح تصور الإنسان وأفكاره بالاستمداد من العقيدة، يبدأ بالممارسة وبناء نفسه، ويقوم الإنسان بأداء العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج، وبهذا يقوم عملياً بتربية نفسه وتزکيتها، ويبادر بتنظيم علاقاته مع الآخرين بإقامة العدل والإحسان والإيثار. 

وبما أن طريقة الاستجابة لحاجات الإنسان الروحية والنفسية والجسمية، لها دور بارز في تربية الفرد والمجتمع، فإننا لا ننسي قضية الأمن في جميع المجالات، وتوفير فرص العمل، وتوطيد الحرية وضمان الرفاهية له ولانألو جهدا للوصول إليها.

لاشك أن الاستبداد والدكتاتورية كانت وما تزال علی مدی التاريخ من أهم الحواجز أمام الرقي والنمو والوحدة والوئام والرفاهية، في حياة البشر، وكانت من أبرز بواعث الظلم تجاه الناس، سواء كان علی مستوي العلاقات الفردية والاجتماعية أو في النظم السياسة والاقتصادية. 

والاستبداد في أبسط معانيه هو أن تكون قوة التنفيذ واتخاذ القرار والموارد في يد شخص واحد أو فئة معينة بحيث لا يكون للناس دور في تفويضها إلی الآخرين أو الرقابة علی كيفية استخدامها. 

والاستبداد بما له من أضرار اجتماعية وأخلاقية واقتصادية وسياسية جمة، قد تحداه الأنبياء علی مدی التاريخ. والتوحيد هو الأساس في النضال ضد الاستبداد والدكتاتورية في كل الأديان السماوية، لأن التوحيد قد ساوي بين كل أبناء البشر في القيم والمسؤوليات الإنسانية وجعل مصيرهم في الآخرة مبنياً علی أعمالهم المكتسبة في الدنيا. 

ولذلك قد جعل الله الشوري قاعدة‌ أساسية ‌لتنظيم العلاقات الاجتماعية علی مستوي الأسرة والمجتمع والحكومة، حتي يستأصل شأفة الاستبداد من حياة البشر ويساهم كل أفراد المجتمع في تقرير مصيرهم وتقرير كل ما يهُمُّ الأسرة والمجتمع والحكومة، مع احترام كرامة الإنسان وقيمته ومكانته. 

والشوري من الناحية السياسية، عقد بين الحكام والمواطنين يلتزم الحكام فيها بموجبه بتنفيذ أوامر الله ورسوله، کما يلتزم المواطنون فيها بإطاعة أوامرهم في إطار القوانين الشرعية، وبنقد الحكام ونصحهم إذا ما خالفوا أوامر الله ورسوله، وقد أشارت الآية 59 من سورة النساء إلی هذا الأمر مبينة أن إدارة المجتمع الإسلامي تكون جماعية لا فردية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء/59). 

هذا وأنّ الحكم في عصر الرسول r والخلافة الراشدة کان مبنيا علی أساس الشوري وفي عصر الخلافة كان الخليفة منفّذاً‌ لأوامر الشوري (أهل الحل والعقد). وبعد نهاية هذا العصر قد حلت القرارات الفردية في كثير من الأحيان محل الشوري ولاشك أن هذه القضية كانت من أبرز عوامل الاختلاف والتفرق بين المسلمين. 

وأدرك تيار الصحوة الإسلامية المعاصرة هذه القضية، فجعل تجديد الشوري علی مختلف المستويات من أبرز أهدافه، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو دولية، آملاً أن يقيم المسلمون مجتمعا مبنيا علی المساواة والحرية وأن يکون نظام الحكم فيه معتمداً علی آراء الناس، وملتزما بقرارات الشوري. 

من هذا المنطلق فإنّ جماعة الدعوة والإصلاح الإيرانية لا تنظر إلی الشوري کأداة لإدارة الحكم والمجتمع فحسب، بل وکمبدأ  وأصل ثابت لابد أن يحکم علی كل عناصر المجتمع والجماعة. والجماعة تعتقد أنه لا يمکن الوصول إلی الحرية والتضامن المنشودين إلا بالشوري، وأنّ استقرار الشوري يتطلّب آليات ملائمة، نذكرها فيما يلي:

الحل

التعليم والتثقيف 

إن تعليم أفراد المجتمع بالطرق المختلفة، هو أهم وسيلة‌ لتحقيق مفهوم الشوري وتنفيذه في كل جوانب المجتمع وانسيابها في النشاطات الفكرية‌ والعملية وتبدأ آلية هذا الأمر بالتعليمات التمهيدية في الأسرة التي تشکّل اللبنة الأولي والتي يتعلم الأبناء فيها الممارسات المبنية علی الشوري من سلوك آبائهم وأمهاتهم. واستمرار تعليم الشوري يحتاج إلی اهتمام بالغ من المدارس والمعاهد التعليمية بهذه القاعدة الأساسية علی المستويين، العملي والفكري. ولابد أن يکون للمساجد والمعاهد الدينية ووسائل الإعلام والمؤسسات المدنية أيضاً‌ دور هام في تثبيت الشوري وتوطيد الاعتقاد بأهميتها. والأهم من ذلک کلّه فإنّ عمل الحكام علی أساس الشوري وخلق الأجواء المناسبة لمساهمة المواطنين، سوف يكمل الدور الإيجابي للعوامل الآنفة الذکر. 

إنّ جماعة الدعوة  والإصلاح الإيرانیة، تهتم بالشوري في تربية الأفراد وتنفيذه عملياً وتعتني بالعقل الجمعي في عملية صنع القرار وتحاول أن تجعل النظام المبني علی الشوري سائداً بين کلّ شرائح المجتمع، وأخيراً أن يستمدّ نظام الحکم سيادته من الشوري. 

إنشاء المؤسسات الأهلية أو المساهمة فيها 

تری جماعة الدعوة والإصلاح أن إنشاء المؤسسات الأهلية والمساهمة فيها، یعتبران من الوسائل الملائمة، لممارسة النشاطات الاجتماعية وإحياء‌ الشوري في المجتمع، ونعتقد أن "الديموقراطية الاستشارية" التي بيّنها بعض كبار علماء الاجتماع المعاصرين في آرائهم، لايكون لها تأثير بدون مساهمة أعضاء المجتمع وشعورهم بالمسؤولية، وتعتبر المؤسسات الأهلية مناخاً ملائمة للوصول إلی هذا الهدف.

إن قضية حقوق الإنسان، كانت من أهمّ القضايا البشرية‌ في‌ القرن العشرين، کما أنّها أصبحت تحديا كبيراً لبداية القرن الحادي والعشرين، بحيث تحدد مكانةَ الإنسان وهويته في العالم المعاصر. ويوزن اليوم كثير من الأعمال والتصرفات والبرامج بمعايير حقوق الإنسان والتي تمثل المكانة الحديثة التي حصل عليها الإنسان المعاصر. 

نحن نعتقد أن الإسلام هو أكبر رائد للحرية وأن الحكمة الحقيقية في إرسال الرسل وخاصة النبي الخاتمr إنما هي تحرير البشر من القيود والأغلال، ولذلك فإن الاسلام ‌قد اعتني بحقوق الإنسان عناية فائقة. والله الذي هو خالق الكون والذي خلق الإنسان في أحسن صورة واستخلفه في‌ الأرض وفوض إليه عمارتها، قد أنزل قواعد أساسية لحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل. 

نحن لسنا بصدد البحث عن المبادئ الفكرية والدينية التي نستمد منها قضيتنا، بل نترك ذلك للتحليلات العلمية للموافقين والمعارضين. نحن نعتقد أنّ الدين الذي نعتنقه يتفق معه كثير من المبادئ الفكرية والقانونية لحقوق الإنسان، ولا شك أن دور الاسلام إنما يظهر للبشرية في بيئة هادئة، حرة مسایرة لكرامة الإنسان. 

حقوق الإنسان كمبدأ

إنّ حقوق الإنسان تراث تاريخي عام ومشترك بين كل الحضارات البشرية، وأنّ كل واحد من هذه الحضارات، خاصةً ما كانت منها منبثقة من تراث الأنبياء، توجد فيها جذور من هذه الحقوق، والحضارة الإسلامية لها دور متميز في هذا المجال، إلا أن حقوق الإنسان ظهرت بشكل منظم ومتماسک نتيجة لجهود مستمرة ومحاولات مثمرة لفلاسفة الغرب بعد عصر النهضة والإصلاح الدیني في أوروبا. وأثمرت هذه المساعي بعد الحرب العالمية الثانية وإنشاء منظمة الأمم المتحدة فتمّت المصادقة علی الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من قبل الجمعية العامة لهذه المنظمة. ومع أنه قد مضی أكثر من نصف قرن علی اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتوسيع مفهوم حقوق الإنسان واحاطتها بكثير من جوانب حياة الإنسان، إلا أن هذا الإعلان لايزال يعَدُّ مرجعاً في قضايا حقوق الإنسان. 

إنّنا نری أن حقوق الإنسان تعمل كوسيلة وهدف للتنمية علی حد سواء، ولذلك فإن كثيراً من المشاكل في شتّي الجوانب الإقتصادية والسياسية، والمعرفية والثقافية للحياة، إنما نتجت بسبب عدم الاعتناء بحقوق الإنسان. ولا شك أن تنفيذ إعلان حقوق الإنسان وترسيخه بما يلائم و سننَ المجتمعات الإنسانية و معتقداتها الدينية، سوف يهيئ المجال لحياة شريفة وملائمة للإنسان. 

ومع أن حقوق الإنسان قد أُستغلت في فترات تاريخية مختلفة من قبل الساسة والحكومات و فُسّرت تفسيراً أحادي الجانب و واجهت جموداً سياسياً، إلا أننا نعتقد أن هذه التحديات لا تضرّ بقضية حقوق الإنسان ولا تؤدي إلی يأس أنصارها و الناشطين في مجالها. 

إن حقوق الإنسان تشمل جوانب كثيرةً في حياة الإنسان وتتطور يوماً بعد يوم، ‌ولها معايير ومواصفات في مجال حقوق النساء والأطفال والأقليات الدينية والمذهبية والعرقیة والقومية والحريات العامة والتي تتفق مع كرامة الإنسان. 

ففي مجتمعاتنا مع أن الناس تُنتهك حقوقهم ويُظلمون، إلا أن النساء والأقليات -كل في مجاله الخاص- يواجهن انتهاكات للحقوق أضعاف ما يواجهه غيرهما، فلهذا لابد أن يؤخذ ذلک بعين الاعتبار، ومع أننا نعتقد أنه لا يمکن الفصل بين الجوانب المختلفة لحقوق الإنسان، إلا أنه يجب أن يكون الاعتناء بحقوقهما فوق كل اهتماماتنا وبرامجنا ويجب أن تبذل كل الجهود لتهيئة مجال انساني أفضل لهما. 

يجب أن تراعي حقوق النساء اللاتي يشكلن نصف عدد سكان العالم وينبغي أن يتمتعن بحماية خاصة تتناسب مع دورهن في المجتمع كـــــ"أم" و"زوجة" و"بنت". 

نحن نعترف بتعدد الأجناس والأقوام واللغات والمذاهب و. . . كآية من آيات ‌الله واختبار لتقييم مدی التزام المتدينين بالعدالة والتقوی، ونعتقد أن هذه الفوارق لا ینبغي أن يكون لها دور فى استحقاق الإنسان لبعض الحقوق أو حرمانه منها، بل يجب أن يحافظ علی هذه الفوارق کما هي، وكل من حاول لإزالتها أو جعلها معياراً للتمييز الاجتماعي والقانوني، فقد خالف السنن الإلهية والفطرة الإنسانية، ولذلك يجب منعه وتعزيره ومجازاته علی حسب ما ارتكبه من مخالفة الحق. 

الحلول

إنّ حقوق الإنسان في مجتمعاتنا تعاني من ردود أفعال متناقضة، حيث إن الموافقين لها يتشدّقون بشعارات جوفاء، والمخالفين لها يتعاملون معها بجهل وتعصب، وكل من هذين الموقفين يؤدي إلی الإضعاف في بنية حقوق الإنسان، ولهذه الظاهرة عوامل مختلفة، ولا شك أن انعدام الثقة من ناحية الموافقين لاعتلاء مکانة حقوق الإنسان، تعتبر واحدة من هذه العوامل. 

نحن نرى أن التشدّق بالشعارات الجوفاء، لا يحدث تغييراً جذرياً فى أي مجال، وفى قضية حقوق الإنسان أيضا لا تنتهي إلى أي تقدُّم، بل تؤدي إلی تقويض مكانتها لدى الناس وسحب الثقة عندهم. بناء علی ذلك نقترح حلین لاعتلاء مکانة حقوق الإنسان فى المجتمع وهما التعليم والدعم کآليتين أساسيتين، و الآن نستعرض هذين الأمرين:

التعليم

مع أن غالبیة الإیضاحات حول حقوق الانسان ونتائجها مرتبطة بالجانب السياسى للحياة وتحاول أن تدافع عن المواطنين أمام الحكومات والمؤسسات العامة، إلاّ‌ أننا لانستطيع أن نتجاهل الجانب المعرفي والثقافي لها ولذلك فإن التعليم له دور هام في هذا المجال. 

إن تعاليم الإسلام، وخاصة عقيدة التوحيد، ترشد الإنسان إلی مكانته السامية وحقوقه الإنسانية. ويجب على الناس أن يعرفوا ما لهم من حقوق وماهي إمکانیاتهم لاستیفاء حقوقهم، ولابد أن يكون هذا التعليم عاماً وشاملاً وبعيدا عن الأغراض السياسيه و‌ملائماً لظروف المخاطبين.

نحن نعتقد أن نظرية حقوق الإنسان بأبعادها المعرفية و‌السياسية و‌القانونية تخضع للنقد‌‌ و‌الدراسة ولاشك أن نقدها العلمي و‌البناء يمهِّد الطريق إلی اعتلاء مكانة حقوق الإنسان، ويضيق المجال أمام الإنجرار وراء الشعارات الزائفة والمعارضات العصبية.

الدعم والحمایة

إن ضمانة حياة ملائمة لمكانة الإنسان، في المجتمعات المتخلفة، من الأهداف السامية التي لابد من الاهتمام بها والنضال في سبيلها من قبل كل الفصائل الناشطة في المجالات الفكرية ‌و‌السياسية و‌الثقافية والدينية. فالاعتناء بحقوق الإنسان في عصرنا الراهن من أكثر الطرق اطمئناناً لتحقيق هذا الهدف. 

نحن نرفض في إطار تعاليم الإسلام أى نوع من الإنتهاک لحقوق الإنسان، علی المستوى المحلي و الإقليمي و العالمي، و عندما نؤكد على أهمية استقرار نظام قانوني يضمن حقوق الإنسان، فإننا نعلن في الوقت نفسه حمايتنا ودعمنا للناشطين الذين يلتزمون بمراعاة حقوق الإنسان ويعملون في المجالات الثقافية و‌الإجتماعية و‌السياسية، کما نعلن استعدادنا للحضور في جبهة واحدة للدفاع عن حقوق الانسان.

إن الحرية من أعزِّ الحاجات الإنسانیة وأغلاها ونعني بها: ازدهار طاقات الإنسان الروحية لبناء عالم أجمل وأكثر إنسانية والذي تتقلص فيه المعاناة البشرية، عالم يتحرر فيه البشرية من العبودية الفكرية والسياسية والاقتصادية والعقلية الانتهازية والنفعية، عالم يشعر الناس فيه بالطمأنينة والمحبة في ظلّ التعايش السلمي. والحرية لها مدلولات متعددة وأهمها مايلي:

1- إثبات الفردية  

لاشك أن ازدهار المواهب البناءة للفرد، يشكل أولي جوانب الحرية، وهذا يعني أن يستطيع الناس تحقیق استخلافهم الرباني دون أي خوف من الحکم والسلطة. وإنما نعني بالفردية، الفردية الخلقية، لا الفردية النفعية الانتهازية. ففي الفردية الخلقية، يحاول الناس تفعیل قدراتهم لتحسين حياتهم وحياة الآخرين، ولكن في الفردية النفعية التي نحن نرفضها، يهرول الكل وراء تحقيق أغراضه، ويستغلُّ کلَّ فرد وکلَّ شيئ في الوجود للوصول إليها. 

والفردية ‌التي نريد إثباتها للإنسان، هي التي لا يهدِّد فردية الآخرين. وتحدید الأعمال التي تضرُّ بفردية الآخرين، ليس من اختصاص القوي الحاكمة والفئات الاجتماعية التي تمتلك القوة، بل يجب أن تناقش في حوار حُرّ بين شرائح المجتمع ذات علاقات اجتماعية وثقافية‌ وتتبلور في القانون. 

2  - النشاطات الاجتماعية

إن الإنسان كائن اجتماعي يحتاج إلی المساهمة فى النشاطات الجماعية للمضيّ قُدُماً في مسيرة الحياة، ورفع مكانته المادية والمعنوية. والتفاعل الجماعي جزء اساسي من عملية إثبات الإنسان وجوده. فبناءً‌ علی ذلک لابدَّ أن يکون للناس الحرية الکاملة للقيام بالنشاطات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية المشترکة وبذل الجهد لبناء حياة أفضل. والحياة الدينية في الإسلام لها جذور اجتماعية يتمثل في كل من الجوانب العبادية: (الصلاة والزكاة والحج والجهاد والصدقة) والجوانب الاجتماعية والسياسية: (مبدأ الشورى) بصورة واضحة. 

3 - حرية التعبير

إن الحضارة والثقافة لاتزدهران إلاَّ في ظل حرية التعبير، ولا تتكون الحضارة والثقافة في مجتمع لا يتمتع بالحرية. بعبارة أخری، إنَّ التقدم الفكري والتقني إنما يتولد في مجتمع يستطيع المواطنون فيه أن يفکِّروا  في جو تسوده الحرية، وأن يفصحوا عن آرائهم وأفكارهم بکل راحة، وأنّ المجتمع الأحادي الرأي الذي ليس فيه إلا أبواق الحكام وأصحاب القوة ولا يمكن لأحد أن يفكر ويعبر عن آرائه إلا إذا کان منتمياً إلی الحكومة، لا ثمار له سوی تعزير قوة الحکام المتزايدة و توسيع سيطرتهم. 

4- حرية العقيدة و‌المذهب

بما أن اصحاب المذاهب يتمتعون بأفکار عاطفية قوية، يعتبر الاستبداد العقدي والمذهبي من أخطر أنواع الاستبداد، فاذا لم تكن هناك حرية دينية، فسوف يأخذ أفجعُ الأعمال وأكثرها عنفاً وهمجية صبغةً دينية وطابعاً قدسيّا وسيعتبر قتلُ أتباع المذاهب الأخری وحرمانهم من الحقوق الاجتماعية والسياسية، عبادة وقرباناً إلی الله. فللحدّ من هذا النوع من الجرائم – التي  تمتلئ بها ذاكرة الشعوب - لابد أن تُكرّس حرية العقيدة‌ والمذهب في المجتمع حتى يستطيع أصحاب المذاهب المختلفة ضمن احترام المذاهب الأخری أن يؤدوا‌ شعائرهم الدينية ويعبروا عن معتقداتهم وآراءهم في المجتمع. 

5- حرية المشاركة‌ والمنافسة‌ السياسية 

إن تحقيق الحرية يحتاج إلی مشاركة‌ نشیطة هادفة‌ للمواطنين في المجالات السياسية والاجتماعية ولا‌‌‌‌ يمکن الوصول إليها إلاَّ في ظل الاعتقاد بتعدد الأفكار والأحزاب والمشاركة الحرة والمنافسة السليمة لجميع المواطنين، وانطلاقاً من هذا المبدأ نری أن التعاون والحوار مع الأحزاب والکتل السياسية لتحقيق الأهداف المشتركة، أمر ضروري. ولابد أن تکون هذه العلاقات مبنية علی التسامح وقبول الآخر والتفاوض والتفاعل الحر الدیموقراطي. 

الحل 

لعلنا نستطيع القول أن الحرية لم تتحقق كاملة في أي مجتمع وأن تحقيقها‌ يحتاج إلی جهود كبيرة متواصلة، ونظراً لعدم تحقق أي جانب من جوانب الحرية في مجتمع ما والعراقيل التي تعترض أمام تحقیقها، فإننا نقدّم حلولاً محدّدة ومجربة لتحقيق الحرية والتي سوف نشير إليها.

المعرفة والوعي  

إن تنمية معرفة الناس تُعتبر من أهم الأعمال لتحقيق الحرية. والذين لم يتعرفوا علی حقوقهم ولم يطّلعوا علی انتهاک حرياتهم، لايستطيعون أن يقوموا بأي عمل لتحقيقها. ولذلك، فإن تعريف المواطنين بحقوقهم الفردية والإجتماعية، هو الخطوة الأولي في سبيل الحرية. والصورة الأخری للمعرفة هو التسلّح بالخطاب السياسي والاجتماعي المعاصر، وبما أنّ كل عصر له نظريات ومصطلحات خاصة، فإن المواطنين عندما يطّلعون عليها، يستطيعون أن يثبتوا مطالباتهم بالبراهين الدامغة وينتهجوا طريقا مناسباً للوصول إليها. 

التفكير الانتقادي

وللوصول إلی مجتمع حرّ لابدّ من تنمية التفكير الانتقادي بين المواطنين إضافة إلی إطلاعهم علی حقوقهم. بعبارة أخری، لابد أن تنمو فيهم الشجاعة والقدرة علی نقد كثير من الصلات والعلاقات غير الشرعية السائدة في المجتمع في جوانبها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وقد تجلّى هذا الأمر فى ثقافتنا الإسلامية في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لأولي الأمر.

وتبرز أهمية التفكير الانتقادي في أننا نرى كثيراً من الأحيان أن الفقر والحرمان والظلم يمُارس تحت ستار القانون والتقاليد الاجتماعية. وأهم قضية في التفکير الانتقادى، هو الوصول إلى فكرة تخطّى الوضع الراهن والصلات والنظم السائدة. وفي ضوء هذا التفكير إنما يتيسّر إصلاح الأمور وتحسينها.

إنشاء المؤسسات الديموقراطية

إن المؤسسات الديموقراطية هي التي تضمن الحرية، لا المؤسسات الاستبدادية. إن إنشاء المؤسسات الديموقراطية- ولو كانت بصورة محدودة- هي الخطوة الأخری للوصول إلی الحرية. و‌لا نعني بالمؤسسات الديموقراطية، المؤسسات السياسية المعتمدة علی الإنتخابات الحرة فحسب، بل نعني بها کل مؤسسات المجتمع الإنساني التي تهييء الأرضية المناسبة لازدهار المواهب الفطرية للإنسان، وكبت الرذائل والمظالم بعیدا عن العلاقات الفاسدة بین السلطة والثروة. فلذلك لا يمكن الوصول إلى الحرية بالتنظير والتسلّح بالآراء الفلسفية فقط، بل لابدّ من جهود عملية لبناء مؤسسات دیموقراطیة هي الصورة الإیجابیة للحریة. 

التسامح والمداراة

إنّ المجتمعات المعاصرة مجتمعات متعددة الثقافات، بحيث قلّما تجد في العالم المعاصر مجتمعا يتكوّن من مذهب واحد أو لغة وثقافة واحدة. فلذلك كي يمكن التعايش السلمي للأعراق الاجتماعية المختلفة، يجب أن لايكون هناك كبت وضغط علی الآخرين بسبب نمط حياتهم، بل يجب أن يحترم کلٌّ منهم أنماط حياة الآخرين وتسود بينهم روح التسامح والمداراة.

 

إذا لم يتمكن کل المواطنين من المساهمة الفعالة في المجتمع وذلك بسبب القيود السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لا يمكن الحصول علی مجتمعٍ بشري حيٍّ متطلّع؛ ففي مثل هذا المجتمع تستغلّ أقليةٌ ذات قوةٍ ومال أغلبيةَ الناس؛ وبما أن التفاعل البشري تجري علی صعيد إجتماعي، فمالم تهيَّأ الفرصُ المتساوية لكل أفراد المجتمع، فسوف يسود الظلم وتضييق الخناق علی جميع نواحي المجتمع، ويحرم كثير من المواهب البشرية من النمو والازدهار. وعندما تفقد الأسرة أقل إمكانيات الحياة، ولا يستطيع الفرد أن يقوم بدوره الاجتماعي المناسب، وذلك بسبب هويته الإجتماعية وانتمائه الثقافي، لا تزدهر المواهب البشرية ولا يتكون مجتمع متوازن. 

لذلك نری أنَّ تحقيق العدالة، شرط مُسبق لنموّ المواهب البشرية وازدهارها. والعدالة من منظورنا عبارة عن تمتع جميع أفراد المجتمع بكافة الفرص والإمكانيات، التي لابد منها لكسب القدرات الضرورية للمشاركة الفعالة في المجتمع، ومساواتهم أمام التکالیف الاجتماعية وانقيادهم للقوانين السائدة علی المجتمع.وفيما يلي نستعرض الجوانب المختلفة للعدالة بتفصيل أكثر: 

1- العدالة الاقتصادية 

بما أن جذور كثير من القيود والحرمان واللامساوات ترجع إلی الانتماء الطبقي للأفراد، فإن تقسيم إمكانيات المجتمع بين الشرائح المختلفة يحقق جانبا من العدالة. بعبارة أخری، لابد من تقسيم الموارد الاقتصادية في المجتمع بحيث لايحرم أحد من النمو والرقي بسبب عجزه المالي. من جانب آخر فإن الثروة التي يكتسبها الأفراد، فوق مستوی الحاجات الأولية والفيزيولوجية، وهي تتغير حسب الظروف الزمانية والمكانية، لابد أن تكون ملائمة لجهودهم وقدراتهم الاكتسابية. 

2- العدالة الإجتماعية والثقافية 

ويعني هذا النوع من العدالة أن تتمتع الشرائح الاجتماعية المختلفة من الأقوام والأجناس والأديان والمذاهب بالإمکانيات المتساوية لازدهار أفکارهم والتعبير عن آرائهم، بمعنی أن تتواجد الأطياف الاجتماعية والثقافية المختلفة في الساحة وتساهم في النشاطات الاجتماعية البناءة مع حفظ قيمهم وأسلوب حياتهم. نحن نعتقد أنه يجب أن يكون للمواطنين - ذکورا وإناثا - حضور کامل وفاعل في كافة الأصعدة الاجتماعية والثقافیة رغم اختلافاتهم اللغوية والمذهبية والعرقیة. 

 3- العدالة السياسية 

إن المؤسسة السياسية (الدولة، الأحزاب والبرلمان) تُعدّ من أهم ميادين الحياة الإنسانية في المجتمعات الحديثة. حیث إن هذه المؤسسة لديها إمكانيات كثيرة وهي تحدد نشاطات المؤسسات الأخری. فلذلك لابد أن يتمتع كل المواطنين والأطياف الاجتماعية والثقافية علی حد سواء بمناخ ملائم للتواجد في هذه المؤسسة، أو اختيار من يحبون تمثيلهم فيها. إن تحقيق العدالة سيواجه مشاكل أساسية في مجتمع صارت ساحته السياسية مضماراً للمستبدين والمتفرعنين المنتمين إلی التيارات الخاصة. 

الحلول

فللحصول علی العدالة لابد من جهد وتخطيط، وذلک لأن موارد کل مجتمع قليلة ويريد أصحاب القوة والثروة السيطرةَ عليها ولا يمكن إزالة الحرمان و‌التمييز السائدين علی المجتمع بغير نضال وتخطيط. وبما أن كل مجتمع يعتمد علی علاقات اقتصادية واجتماعية خاصة، فنحن لانستطيع عرض حلول خارجة عن إطار الزمان والمكان، ومع ذلك فإن تحقيق العدالة يحتاج إلی مجموعة من الحلول نشير إلی بعض منها:

رفض الإعتقاد بأن اللامساواة أمر طبيعي 

هناك شرائح في المجتمع قد سيطرت علی الموارد والإمكانيات المختلفة لسنوات طويلة واستمسكت بلطائف الحيل واستغلت ذكاءها وجهودها الكثيرة وأموالها التالدة إلی أن استطاعت أن تُقنع الناس بأن سيطرتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أمر طبيعي. إنها تمكنت من إثبات شرعية مكانتها بصورة وكأنها تمتعت بها منذ ما قبل التاريخ. فالخطوة الأولی للوصول إلی العدالة هي توعية الناس إلی أن هذا التمييز وعدم المساواة ليس أمراً طبيعياً وأن نبيِّن للناس کيف وصل هؤلاء إلی هذه المكانة المسيطرة، ونبرهن بأن هذا التمييز وعدم المساواة ليس أمرا طبيعياً وأزلياً، بل وجد عبر التاريخ نتيجة رقود أغلبية المجتمع  وتغافلهم عن حقوقهم الاجتماعية. 

عودة المهمشين إلی الساحة 

إن المواطنين الذين تم إقصائهم وتهمیشهم وأصبحوا ضحية التمييز والعنصرية، فسوف يستمر واقعهم المؤلم والمأساوي، إذا ما رضوا بهذه الحالة بعیدين عن النشاطات العامة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بسبب العلاقات الاجتماعية الظالمة التي تسود المجتمع، فللخروج من هذا المأزق لابد أن يدخل هؤلاء المواطنون شيئاً فشيئاً في المجالات العامة للمجتمع، يجب أن يلفتوا أنظار اللاعبين في الساحة السياسية – بأیة طریقة کانت - إلی أنفسهم ويخصصوا موارد المجتمع لأنفسهم متلائمة مع كفاءاتهم واستحقاقاتهم، بالتأثير علی المؤسسة السياسية. 

تعزيز القدرات الموجودة 

بما أن رؤوس الأموال الاقتصادية (النقود) والاجتماعية (الوئام) والثقافية (التثقيف والتعليم) والسياسية (الأصوات) يمكن استبدال بعضها ببعض في المجتمعات المعاصرة، وليست رؤوس الأموال هذه کلها في أيدى أفراد وشرائح خاصة، فإن الأفراد والأطياف الاجتماعية والثقافية التي لهم قدرات متميزة في بعض المجالات، تستطيع توسيع دائرة قدراتهم و‌استبدالها بقدرات تحتاج إليها. وبهذا نستطيع أن نقلل من حدة التمييز وعدم المساواة إلی حدّ بعيد، بل نستطيع إزالتها في بعض الأحيان. 

إن جماعة الدعوة والإصلاح الإيرانیة إذ تؤكد علی هذه الأمور، فإنها تحتّم علی نفسها أن تضمّ کل جهودها إلی جهود المجتمع ومؤسساتها، في سبيل نشر التعاون والتكافل الاجتماعي، سعیا لإزالة الحرمان بأبعاده المختلفة وتحقيق العدالة.

لاشك أن للإسلام أصولا ثابتة‌ لا تتغير عبر الزمان أبداً. فالتجدید بمعناه العام لايتناول هذا القسم، إلا في إطار التفسير العصري للنصوص. والذي يهمنا هنا هو الأبعاد المتغيرة للإسلام، التي نحن بصدد الحديث عنها. فبعد أن ظهر الإسلام کحكومة وحضارة وثقافة، فإن معرفة بواعث ضعفها واستنزافها، کانت محل اهتمام المفکرين والمصلحين الإسلاميين. عندما ندقق النظر في التاريخ الإسلامي، فإننا نجد أشخاصاً وحركاتٍ حاولوا أن يکافحوا بواعث الاستنزاف في المجتمع الإسلامي، حتی لا يُصاب المسلمون بالجمود و‌الانحطاط كأتباع سائر الأديان والمذاهب الفكرية. وكانت جهود هؤلاء الأشخاص والحركات مستلهمة من الحديث النبوى الذى يقول: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة‌ سنة من يجدّد لها دينها) (رواه ابوداود 4/178، رقم 4293)

إن المجال الجغرافي و‌‌الفكري لنشاطات هؤلاء المجددين كان واسعاً ومتشعباً. وقد استغرق المجال الجغرافي للتجديد القارةَ الهندية إلی المغرب وشمال افريقيا. ومن الناحية الفكرية فإن بعض المجددين قد حاولوا إزالة الخرافات من العقيدة الإسلامية الصحيحة، بينما اهتمّ بعض آخر بتجديد الأبعاد النفسية للأمة، واعتنی آخرون أيضاً بتجديد الأبعاد العقلية، ومنهم من تطرّق إلی القضية بشمولية أكثر، آخذاً كلَّ جوانب الإصلاح بعین الاعتبار في برنامجه الإصلاحي؛ وفي هذا المجال يعتبر عمربن عبدالعزيز (رح) (101-61ه‍) أول مجدد، حیث استطاع أن يجدد كثيراً من الجوانب المنسية والمعطَّلة‌ للإسلام بما كان له من قوة وحكم. و‌قلّما نجد بعد عمربن عبدالعزيز من یتمتع بالقدرة وفي نفس الوقت له الاهتمام بالتجديد وإحياء الجوانب المعطلة للإسلام، ويمكن أن نستثني "اورنغ زيب" و"السيد احمد بن عرفان الشهيد" في الهند اللذينِ كانت ساحة نشاطاتهما ودائرة تأثيرهما أقل من أن يُذکر. 

ومع أن الإمام الغزالي (505-450 ه) يُعدّ من المجددين الأوائل، إلا أن عمله يقتصر علی الجوانب العرفانية ومع أنه قام في كتابه «إحياء علوم الدين» بتنقية المفاهيم الدينية كالتوحيد والفقه والذكر و. . . .، إلاّ أن رؤيته كانت مترکزة علی التصوف والجوانب الروحية. أما الإمام ابن تيمية (728-661ه‍)‌ فقد كانت دائرة نشاطاته أكثر اتساعا من سابقيه، ولكن معارضة العلماء السطحيين والمتصوفة‌ المترددين علی البلاط وأصحاب القوة الإنتهازيين، لم تترك المجال لانتشار أفكاره آنذاك، وفي عصرنا هذا وإن اكتسبت أفكاره جولة و‌صولة إلا أن الرؤية المتزمتة و‌الفهم الظاهري لكتبه وأفكاره، قد أدخلت الخلل في القراءة العصرية لأفكاره وآرائه. وما قام به سيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وتلامذة مدرستهما كان أوسع وأكثر عصرياً، ولكن الظروف العالمية الخاصة جعلت أفكار هذه المدرسة تنحصر في المستوی الأكاديمي والنظري، ولم تسمح لها أن تری النور في الساحة ما عدا الساحات العملية الضیقة. أما الحرکة الوهابية فقد رکزت في مشروعها التجدیدي علی إزالة الخرافات وتصحیح العقائد وأحدثت یقظة فکریة وإیمانیة ونجحت في إقامة دولة علی أرض الحجاز.

 وظهرت جماعة الإخوان المسلمين لتقدّم قراءة جديدة لمفهوم التجدید، فاختارت رؤية مرِنة سمحة عن القضايا المطروحة للبحث في الماضى وفي عصرنا الراهن علی مستوی العالم الإسلامي والعالم الحديث. فمن هذا المنظور وإن كانت النشاطات التنظيمية تتجه نحو تطبیق الإسلام على المستويين السياسی والإداري، إلا أن اهتمامها بالقضايا الکلیة والعامة أکثر من اهتمامها بالفروع الجزئية و‌المتغيرة، و‌لجماعة الإخوان اهتمام خاص بإعادة بناء هوية الأمة وبلورتها. وعندما كانت نشاطات المفكرين والمجددين في الماضي والحاضر تعاني من التكرار وعرض الأفكار القديمة أحیانا ولم تكن لقضية التجديد لدیها أهمية لائقة، فقد أعطت رؤية ‌الإخوان لهذه القضية أولوية خاصة.

الحل

الاجتهاد

إن آليتنا الأساسية لتحقيق التجديد تتجسَّد في الإجتهاد. والاجتهاد كان ولا يزال يُعتبر طريقة للنظر في النصوص الدينية لفهمها واستنباط أحكام القضايا المستحدثة، علی المستويين النظري والتطبیقي في تاريخ الإسلام، ولكن نظرتنا إلی هذه القضية تختلف عن الماضي من الناحيتين؛ الأولی: لأننا نرسم له ميداناً واسعاً‌ وشاملاً، والثانية: لأننا نطلب من جميع أصحاب الكفاءات العلمية أن يجتهدوا ويعرضوا حلولاً جديدة للمشاكل والقضايا الجديدة.

والاجتهاد له مستويان مختلفان: المستوی النظري والمستوی التطبیقي. والمراد من الإجتهاد النظري هو بذل الجهد لفهم النص وتحديد فحواه في صورة الأمر والنهي وغيرهما. إن هذا النوع من الاجتهاد إنما يتم لاستكشاف المفاهيم الکلية وفتح الطريق أمام التفكير وإعمال النظر كما يتم فيه تحديد حقيقة المفاهيم وانسجامها مع النص وبذلك تتبين الدلالة التفصيلية للنص علی المفاهيم.

ولابد أن ينطبع هذا العمل في إطار آليات الفهم والتفسير، وهذا النوع من الاجتهاد إنما يتم في إطار النص. من جانب آخر، هناك أمور سكت عنها النص، ونستطيع استنباط أحكامها باستخدام آلية الاجتهاد انطلاقا من القواعد العامة ومقاصد الشريعة. والمراد من الاجتهاد التطبیقي هو تنفيذ الأمور والأحکام التي استنبطناها علی المستوی الفهم التجريدي. بعبارة أخری، هذا النوع من الاجتهاد عبارة عن مطابقة الفهم التجريدي والنظري مع العمل والسلوك.

وليس الاجتهاد التطبیقي أقل أهمية من الاجتهاد النظري، لأن المراد من التشريع، هو الجانب العملي، وعندما لا ينتهی الاجتهاد إلی العمل، فلا يتحقق الهدف الأساسي منه. وهذه القضية ترتبط بمدی تحقق مقاصد التشريع الناتجة‌ عن‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ العلاقة الديالكتية بين الحكم التجريدي والواقع.

من جانب آخر، فإن استخدام الاجتهاد في الأمور التي حدد النص حكم الحادثة الخاصة مقارنة بالأمور التي سكت عنها، يعتبر من اللوازم الضرورية لتحقيق الرؤية التجدیدية. ففي عملية التجدید، هناك رؤية خاصة ومختلفة إلی الاجتهاد. ففي هذه الرؤية التي تری كثيراً من فتاوي العلماء والمجتهدين السابقين، تاريخية ومتعلقة بظروف إصدارها، تجد السبيل مفتوحاً أمام الإبداع والتوفيق بين الحياة الحديثة والواقع.

وبما أن الانجازات البشریة في المجالات المختلفة كثيرة ومتنوعة، فإننا نعتقد أن الاحتفاظ بالقديم الأصيل والاستفادة من الجديد المفيد، سيوفر حلولاً ناجعة للإجابة عن المسائل المتنوعة، وأن الاجتهاد الجماعي الذي يأتي عن طريق المجامع الفقهية، سيكون أكثر فاعلیة في عصرنا الراهن.

إن إنشاء المجاميع الدولية، التي يشارک فيها المفكرون والمجتهدون في العالم الإسلامي، مثل"الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين" و"المجمع الدولي للفقه الإسلامي"، يبشر بتطور إيجابي في هذا المجال.

التضامن هو الشعور بالإنتماء عن وعي واختيار بين الأفراد والفئات والمجتمعات وهذا الشعور ناتج عن مصالحهم المشتركة ويعتبر من مستلزمات الحياة الجماعية، التي يحتاج الأفراد والفئات بعضهم إلی بعض في سلسلة من التفاعلات الثنائية. 

إن الإنسان يبحث عن السعادة، والسعادة منوطة برُقيّه وحصوله علی آماله المعقولة القابلة للتحقق. ومن جانب آخر، فإن جميع نشاطات الإنسان الهادفة إنما تتم للحصول علی غايتين أساسيتين هما: جلب المنافع ودفع المضار، لأن جلب المنافع ودفع المضار، من الخصال الذاتيه للإنسان، ولكن هل يمكن للإنسان بوحده ومن دون معونة الآخرين أن ينمّي مواهبه ويدفع الأضرار عن نفسه؟

ومن البدهي أن الناس يحتاجون إلی عون الآخرين للحصول علی ما يريدون. وأنه يجب عليهم أن يحدوا قدراً من حرياتهم للوصول إلی غاياتهم. 

من جهة أخری، فإن كانت المجتمعات البدائية بإمكانها أن تحصل بوحدها علی أقل الإمكانيات اللازمة لحياة بسيطة آنذاک، فالیوم مع کل هذه التعقیدات السائدة علی حیاة الإنسان فإن ذلک لیس بمقدور، ویتعین علی الإنسان إنشاء علاقات قائمة علی التعاون مع الآخرین.

إن تعاليم الإسلام الاجتماعية تدعو المسلمين إلی التضامن والاتحاد والتكافل والتعاون وتعتبر التفرق والتخاصم ومفارقة الجماعة، من أسباب الانهزام والاضمحلال. فضلاً عن ذلك فإن الإسلام يساوي بين الناس في حقوقهم ويعتبرهم من أصل واحد. ولذلک يؤکد الإسلام علی المعاملة بـ«البر» و«القسط» باعتبارها مقدمة ضرورية لتحقيق التضامن في المجتمع الانساني ويدعو إلی معرفة الحضارات والثقافات الأخری والتفاعل معها. وعندما يلتزم المسلمون بهذه المعاني، فإنهم سيعيشون في وئام وطمانينة ويؤدون دورهم في عملية‌ تحقيق السلام العالمي. 

نحن نری أن العلوم المعاصرة والثقافة العالمية الحديثة، هي حصيلة جهود كل الشعوب التي عانت آلاف السنين لأجل نموِّها وازدهارها، تداولت العلوم والثقافات بين الحضارات علی مدی التاريخ حسب سُنّة التداول. وبناءً علی ذلك، فإن التفاخر واستخدام التكنولوجيا كوسيلة لقهر الشعوب الأخری والسيطرة عليها، سوف يضرّ قبل كل شيء بالعلم والتقدم الذي هو من الانجازات المشتركة بين الناس. 

ونعتقد بأن محاولة أبناء أي دين أو ثقافة أو حضارة، لتدمير سائر الحضارات والثقافات والأديان، تسبب الفوضی والاضطراب في العالم، ولن تؤدي إلا إلی تخلف فئات والتقدم غير المتوازن لفئات أخری. 

ولقد تعلمنا من القرآن الکریم والسنة النبویة‌ أن علاقات المسلمين بغيرهم يجب أن تكون سلمية إلا مع الذين نقضوا الأيمان وشرّدوا المسلمين وهم بدؤوا بالحرب. 

الحلول

نحن نری أن الحلول الآتية ملائمة لحصول الشعوب والأحزاب والفئات علی التضامن المنشود:

المشاركة العادلة 

عندما نتأمل قليلاً في ظروف العالم الراهنة نری أن مردّ كثير من التوترات هو إقصاء فئات وأشخاص من الساحة، الذين لم يحصلوا علی حقوقهم، ولم يؤذن لهم أن يدافعوا عن أنفسهم، ويبذلوا الجهد لينالوا حقوقهم وغایاتهم. نحن نری أن معظم أسباب التوتر في العلاقة بين الإسلام والغرب لا يعود إلی الاختلافات العقدية والدينية، بقدر ما يرجع إلی عدم الإتزان في النظام السائد علی العلاقة بينهما، و لو أعدّت الأرضية الملائمة للمسلمين في الساحات الدولية، لكي يكون لهم مشاركة أكثر فاعلية وذلك باستخدام عادل لوسائل الإعلام وتنوير الرأي العام وعدم تحريف الحقائق، سوف يستدرک قسم من اللامساواة هذه، ولاشك أنه سوف تسود عقلية الوئام والتعاون والشعور بالمسؤولیة أكثر من ذي قبل. 

وفي الساحة الداخلية نحن نعتقد أن تفرّد الأحزاب والفئات وادعائها بأنها هي الممثلة الحقيقية للناس، والسعي لکبت المنتقدين الذين يبذلون الجهد في سبيل إسعاد الناس، يؤدي إلی القلق والضبابية ويسبب توتر العلاقات بين الأحزاب وشرائح الناس المختلفة. 

ونحن نری أن تقدیم الخدمات للمجتمع من قبل الأحزاب و‌الفئات بشكل مطلوب، إنما يتيسر إذا دافع بعضهم عن كيان بعض، وعن حق المشاركة ‌الفعالة علی جميع الأصعدة. وبذلك تعزز الأحزاب ثقافةَ تقدیم الخدمات بین الناس‌، وترفع مكانتها وتثبت أنها صادقة مع الناس وتقف إلی جانبهم. 

التأكيد علی المصالح المشتركة

لاریب أن وحدة الفكر والعقيدة تعتبر من أهم المؤثرات في تحقیق التضامن والوئام وأن بذل الجهد للحفاظ علی الفكر والعقيدة المشتركة بين أفراد فئة، هو في حدذاته یعتبر حمایة عن مصلحة مشتركة، ولكن قد يجب تجاهل الخلافات الدينية والأيديولوجية والسياسية والاقتصادية، و‌التأکيد علی الجوانب المشترکة التي تحتوي علی مصالح کل الأفراد و‌الأحزاب أو أکثرها، و‌ذلک حفاظا علی التعددية في المجتمع وتمهیدا لتطویر الفئات المتعددة والنشطة في المجالات المختلفة. و‌للحصول علی التضامن المنشود يجب أن لا تُضخّم الخلافات، لأن الناس عندئذ ينسون الوجوه المشتركة بينهم ويخفقون في الحصول علی مقاصدهم بسبب تورطهم في الخلافات التي لا طائل ورائها ويخسر فيها الجميع.

 

إن العنف كعنصر ذات طابع سایکولوجي اجتماعي، كان له دور هام ومصيري في حياة‌ الأفراد والتطورات الفكرية والتاريخية للمجتمعات البشرية علی مدی الزمان، وبعدما اجتاز الانسان العصور الحالكة ودخل في العصر الحديث و‌تغيرت رؤيته عن الكون و‌مکانة ‌الإنسان فيه، وتعرّف علی حقوقه و‌واجباته، اتخذ العنفُ طابعاً أكثر أهميّة. و‌بما أن كثيراً من الفلاسفة والمفكرين يعتقدون أن الإنسان المعاصر في القرن الحادي والعشرين، له رؤية فردية وأنانيّة ويسعي لكسب القوة والثروة والمكانة الاجتماعية بأية طريقة ممکنة، فإن إحدي المعايير الأساسية التي تقيّم بها الصحة النفسية للأفراد وشرعية ‌الفئات والنظم السياسية والاجتماعية، هي مدی علاقتهم بالعنف في الساحتين النظرية والعملية. 

وما نعنيه بالعنف هو استخدام الطرق اللاسلمية واللاقانونية لتغيير البُني الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية‌ في المجتمع. و‌بما أن الاجتناب عن العنف او استخدامه من جانب الأفراد والفئات والمؤسسات والنظم السياسية للوصول إلی أهدافهم أو إحداث أي تغيير أو تطوّر في المجتمع ينبع من رؤيتهم عن الكون والطبيعة والإنسان والتجارب التاريخية، كما ينبع من المكانة والحقوق والواجبات التي يريدونها لأنفسهم وللآخرين، فإننا قد اخترنا الاجتناب عن العنف في جميع الظروف والحالات أصلاً ثابتاً وأسلوباً غير متغير للتعامل مع الآخرين وإحداث التطورات السياسية والإجتماعية في المجتمع، معتمدين في ذلك علی مبادئنا العقدية المستلهمة من القرآن والسنة والسيرة النبوية، ولا نألوا جهداً في إيجاد أرضية نفسية واجتماعية وسياسية ملائمة لعدم استخدام العنف وللاجتناب عنه. ولذلک يعتبر تصحيح رؤية أفراد المجتمع وتصورهم من أولوياتنا كمايأتي. 

لقد خلق الإنسان حراً، وأن حريته في اختيار العقيدة والدين يُعتبر من أبرز مظاهر حريته وقد ترك الله الناس أحراراً في هذا الاختيار ولا يحق لأحد أن يکره الآخرين علی قبول عقائده ظناً منه أن اختياره هو الأحسن والأحق، ولا يجوز أن يُضطهد أحدٌ بسبب اختياره الخاطئ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقره/256)، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس/99).

إن الإنسان، كائن عاقل وقابل للتربية، وفي الظروف الملائمة يستطيع أن يختار المنهج الصحيح دون أي تهديد أو إجبار، فلا حاجة إذن إلی استخدام العنف وليس هناك فرق في هذا المجال بين الناس في الجنس واللون والثروة وغيرها. 

يختلف الناس فيما بينهم من الناحية النفسية والجسمية والتجارب الفردية والعائلية، فمن الطبيعي إذن أن تختلف رؤيتهم إلی الظواهر وفهمهم للأحداث، وأن تکون لهم ثقافات متنوعة. ‌لذلك لايملك أي فرد أو أية ثقافةٍ الحقيقةَ المطلقةَ، ولايستطيع أن يستمر في حياته أو يطوّر نفسه من غير معونة الآخرين. إن إقصاء الآخر واستخدام العنف، ليس مذموماً فقط، بل يخالف غاية الخلق ويضرّ بمصالح الأفراد والمجتمعات البشرية. 

الحلول

الحوار

إن الاختلاف في الآراء و الأفکار هو أحد الأسباب التي تؤدّي إلی ظهور العنف، وأن الحوار علی ما جاء في القرآن الکريم وما يُفهم من سيرة الأنبياء الكرام هو أحسن حلٍّ لترقية مستوی التفاهم المتبادل بين أصحاب الأفكار المختلفة. ولاشك أن الحوار إنما يكون منتجاً ومفيداً إذا تمّ في جوّ يسوده الاحترام المتبادل ويتمتع كلا الجانبين بإمکانيات متساوية بعیدا عن التعصب أو الإکراه أو إصدار أحکام مسبقة. 

الإعتقاد بضرورة النقد

إن عدم تقديس الأفراد والأفكار والأنماط الخاصة للحياة، والاعتقاد بضرورة النقد والتحليل بدل «النقل» و«التقديس» يعتبر خطوة مهمة في سبيل الاجتناب عن العنف وتوفير مناخ سلیم للحوار وتبادل  الآراء والأفكار. 

الإيمان بالتغيير  

الاعتقاد بالتغيير وعدم الإلحاح علی حفظ الهياكل السابقة والإيمان بضرورة تطور الفكر عبر الزمان، وازدياد التجارب اليومية والانجازات العلمية، يعتبر خطوة أخری في سبيل الاجتناب عن العنف. فالإلحاح علی الهياكل السياسية والإجتماعية السابقة وعدم تغييرها، يهييء الأرضية لظهور العنف. 

الالتزام بالعقد الاجتماعي

نحن نری أنه لابدّ من وجود عقد اجتماعي يتبلور حسب الإرادة العامة في منشور يسمی «الدستور» وإن الالتزام بالدستور الذي يحتوي علی حقوق المواطنين والحكام وواجباتهم، يسدّ الطريق أمام العنف. 

العنایة بالتعاليم الخلقية 

إن الإسلام يقلّص بواعث الحرب والعنف بحکمة وبشکل متدرّج وذلك بوضع نظام خُلقي معتمد علی واقع الإنسان والإيمان بالآخرة والخشية من الله. 

إن التخلق بالصبر وضبط النفس و‌الإيثار وكظم الغيظ و‌العفو و‌الصفح، والاجتناب عن الغيبة والنميمة، وعدم إساءة الظن بالآخرين، وترك المراء و المجادلة الباطلة، وصلة الرحم مع الأقارب، ورعاية حقوق الجيران، والإنفاق ومساعدة الفقراء والمساكين، وتوطيد الصلات بين المؤمنين، وحب الناس وتقديم الخدمة إليهم في أنحاء العالم، کل ذلک يمهّد الطريق للوصول إلی السلم و‌التعايش السلمي والاجتناب عن العنف.