الأستاذ عبد الله إیراني.. رمز الصبر والثبات

الترجمة: 
إصلاح وب
الأستاذ عبد الله إیراني.. رمز الصبر والثبات

قبل عشر سنوات ذهبتُ برفقته إلی منزل أحد الأصدقاء وسألته خلال الذهاب؛ بین حین وآخر یطالبني الأصدقاء بإلقاء کلمة أو إسداء النصيحة لهم وأنا أعلم جيدًا أن لدي نقاط ضعف في هذا الصدد وأتذكر التهديدات القرآنية: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" ﴿البقرة: ٤٤﴾ فما علي في هذه الحالات؟ هل أقبل طلبهم أم أرفض؟ أجابني بهدوء وحکمة بالغة: في تلک اللحظة عاهدِ الله أن تتخذ خطوات للعمل وفقًا لما تقوله وأجبهم ما یریدون ولا تفوِّت هذه الفرصة من مخاطبیک. إذا غادرنا أنا وأنت هذه الفرصة السانحة لتجنب الوقوع في النفاق والدخول إلى وادي الشرك ... إلخ فمن الذي یقوم بهذه المهمة؟ أعتقد أنه أعطاني إجابة رائعة.

مرت سنوات وأني لم أستطع أن أکتب شیئا حول هذه الشخصیة البارزة ونضاله من أجل النمو الفكري والاجتماعي والدیني خشیة الریاء، إلی أن عزمت أن أکتب جزءا صغیرا حول شخصیته العلمیة والفقهیة. دعوني أذکر لکم أن کل ما جاء في هذا المقال هو نتيجة تجاربي الخاصة على مدى 15 عامًا ، حیث قمت بجمعها أثناء دراستي والعديد من الرحلات والأنشطة التنظيمية.

السیرة الذاتیة

ولد الأستاذ عبد الله إیراني سنة 1376 في قضاء مریوان من المدن الکوردیة غربي البلاد وبدأ التعلیم الإبتدائي في مسقط رأسه والتحق بالحجرات الدینیة والعلمیة وعکف علی الدراسة وأخذ یتلقی الدروس علی أساتذة كبار. أول ما عرفته کان في مدینة سنندج عندما کان إماما في إحدی المساجد وکنت أحضر بحماس في محاضراته وجلساته العامة خاصة تفسیر القرآن الکریم إلی أن تلمذت عنده وحتى يومنا هذا أعتبر نفسي تلميذا له.

الأصدقاء والزملاء

يمكن استكشاف أبعاد شخصية الأستاذ عبد الله بأناس أمضوا معه جل حیاتهم، ودون الالتفات إلى هؤلاء الأحباء ودورهم في حیاته لن تنجلي حقيقة الأمر وهذا ینبئ عن عظیم شخصیته للجیل الراهن في إیران خاصة في کردستان ولهذا السبب ، تم اختيار عنوان هذه المقالة "رمز الصبر". لقد أدرک الأستاذ إيراني أهمیة الاستشارة في الأمور واتخاذ القرار علی أساس الحکمة الجماعیة وهذا لا یتحقق إلا بالصبر والمثابرة ومن ثم کانت حیاته ملیئة بالتشاور على الرغم من أنه في بعض الأحيان كان خلافا لإرادته؛ أصدقاء مثل کاک أحمد مفتي‌زاده وکاک ناصر سبحاني لطالما ذكرهما الأستاذ عبد الله كأساتذة له وآخرون کالأخ أبراهیم مردوخي والأستاذ علي رحماني حیث لا یسع المقال لذکر أسمائهم. وفي هذا الأثناء کان دور الأستاذ علي رحماني أکثر انطباعا بالنسبة لبقية رفاقه بسبب تعايشه الطویل معه منذ المراهقة وحتی الیوم.

القدرات العلمیة

مثل جمیع الذین یتبعون طریق النمو ویصلون إلی درجة الإفتاء والتدریس وإمامة الجماعة، سلک الأستاذ عبد الله هذا الطریق في إیران والعراق وأخذ العلوم عند أساتذة کالشیخ عثمان عبد العزیز والملا عارف کرکوک والشیخ سید علی ني مریوان والشیخ ملا رحیم شاراني وقد أمضی معهم حقبة مجیدة من حیاته وقد تأثر جدا بهذه الشخصیات النبلاء ولم ينس أبداً ذکریهم ونال إجازة الإفتاء والتدریس علی ید الشیخ نجم الدین طه في مدینة سنندج. إن ما یمیز الأستاذ عبدالله عن الآخرین اهتمامه الكبير والمتواصل بتعلم العلوم في جميع فترات الحياة وقد درّس علوما مختلفة کالفقه والأصول والتفسیر والصرف والنحو والبلاغة والعلم الحدیث والأدب العربي والفارسي والکوردي وقام بتربیة العدید من الطلاب.

الأستاذ عبد الله وکتاب الموافقات للشاطبي

الموافقات من أهم الکتب في أصول الفقه وللشیخ تاريخ طويل في تدريس وتعليم هذا الكتاب. لذلک يمكنني القول بجرأة أنه لا يوجد أحد في إيران قد انتزع منه زمام المبادرة في فهم وتعليم هذا الكتاب. وفي كل مرة یقوم باستخراج مادة جديدة من هذا الكتاب ویقدمها للمهتمين بالعلم. من خلال هذا الكتاب تواصل الأستاذ جداً بشخصية الإمام الشاطبي رحمه الله حتى أنه قد فطن إلی نية الإمام الشاطبي باستعمال أدلة الكتاب وبراهينه في نص الكتاب.

الذوق الشعري

من أهم أسباب نجاح الأستاذ إیراني الاستفادة من الأشعار المختلفة العربیة والکوردیة في تدریسه ومحاضراته وهذا یدل علی قدرته في مجال البلاغة والفصاحة وقد حفظ الکثیر من الأشعار وقد أنشد أشعارا باللغة الکوردیة.

السمات الأخلاقیة

الصعوبات والمشاکل لا تکاد تنفک عن حیاته وقد فرضتها علیه البیئة من جانب ومناصرة الحق من جانب آخر لدرجة أنه یبدو أکبر سنا من أقرانه ولکنها لم تتسبب أن یظهر الضعف في مسیر الخدمة وعلى العكس تماما هو يمشي بثبات مع كل المعاناة الجسدية والروحیة أحيانًا وهذا نتیجة الصبر والرفق والقناعة والأخلاق النبیلة التي یتمع بها.

الكلمة الأخيرة

هذا المقال يُظهر جانبا صغيرًا من حياة الأستاذ عبد الله إيراني. نأمل أن نقوم بتنظیم حفل تکریم له في المستقبل القريب بحضوره وبرفقة الأستاذ علي رحماني تقدیرا لجهوده التي بذلها علی مدی نصف قرن في الطريق إلى تعزيز القيم الأخلاقیة والدینية في المجتمع.