حقوق الإنسان فی الإسلام (قسم الثاني)

حقوق الإنسان فی الإسلام (قسم الثاني)

بعد نشرها سلسله من المقالات السابقة للعلامة مجتهد الشبستری حول موضوع الإسلام وحقوق الإنسان، تنشر منظمة الدفاع عن ضحایا العنف المقالة التالیة بالتعاون مع لجنة حقوق الإنسان الإیرانیة والدکتور مظفری. أن مصادقة الدول ومندوبیها علی أیّ وثیقة لا یعنی سلخها عن مبادئها النظریّة والفلسفیّة. فکل دوله من الدول التی تصادق علی هکذا وثائق، مبادئها النظریّة الخاصّة بها. فالمسیحی یتعامل معها من منطلق دیانته المسیحیّة، والمسلم یتقبّلها من منطلق معتقداته الدینیة اما الملحد او الاشتراکی یؤمن بها بناءا علی مبادئه الاشتراکیّة. علی أیّ حال توجد مبادئ نظریّه تقوع علیها هذه الوثیقة ولاینبغی أن نتصوّرها بدون مبادئ اضطرّتنا ضرورات الواقع الاجتماعی للقبول بها وأنّه تم الاعلان عنها من منطلق رؤیه عملانیّه بحته(3) لقد حاول المسیحیّون المؤمنون إلغاء الجانب المعادی للعلم والحریّة من الدین المسیحی وتقدیم تفسیر وقراءه جدیده عن تعالیم الدین المسیحی لیصبح قابلا للتوافق والتعایش مع العلم و یتماشی مع الحریّات. إذا فسّرنا الحداثة بأنّها من نتائج الاصلاح الدینی وحصیلة عصر النهضة الأوروبیّة والثورة العلمیّة والثقافیّة فی اوروبا فمن الطبیعی أن تکون قد تأثّرت بعصر النهضة الأوروبیة بنفس المستوی من تأثّرها بنهضة الإصلاح الدینی.

وهذا مانلمسه فی التأثیر العمیق للأدیان علی بیان حقوق الإنسان حیث یعتبر مفهوم الکرامة الإنسانیّة من أهمّ الرکائز الاساسیة لحقوق الإنسان. ینص البیان العالمی لحقوق الإنسان علی المساواة بین جمیع أبناء البشر فی الحقوق والکرامة وعلیه أصبح مفهوم الکرامة الإنسانیّة من أهم المبادئ الاساسیّة التی یقوم علیها البیان العالمی لحقوق الإنسان وتؤکّد علیها المواثیق الدولیّة کمیثاق الحقوق السیاسیة المدنیّة ومیثاق الحقوق الثقافیّة والاقتصادیة والاجتماعیّة التی تعتبر الکرامة الإنسانیة الحجر الاساس لمبادئ حقوق الإنسان ومنها تنبثق جمیع الحقوق الإنسانیة.

هنا یطرح هذا السؤال نفسه، هل یعتبر مفهوم الکرامة الإنسانیّة من المفاهیم العلمانیّة ؟

وخلافا لهذا التصوّر یصرّ البعض علی أنّ بیان حقوق الإنسان یعانی من أشکالیّه ناجمه عن ایمانه بالکرامة الإنسانیة لأنّه ذو صبغه دینیّه تجعل من حقوق الإنسان عدیمة الجدوی و یلزم اصلاحها و حذف مفهوم الکرامة الإنسانیة من البیان العالمی لحقوق الإنسان. خلافا لما ذهب الیه السید شبستری من إنّ مفهوم الکرامة الإنسانیّة لیس مفهوما دینیا، اقول لقد عثرت قبل عدّة سنوات علی کتاب باللغة الالمانیّة للباحث والمحقق الالمانی فرانتس جوزیف وعنوانه "وهم الکرامة الذاتیّة للأنسان". ملخّص استدلال الکاتب هو أنّ مبادئ حقوق الإنسان المدرجة فی البیان العالمی لحقوق الإنسان وما یرتبط به من مواثیق کمیثاق الحقوق السیاسیّة والمدنیّة و میثاق الحقوق الاقتصادیة والاجتماعیّة والثقافیّة تقوم فی الاساس علی مفهوم الکرامة الإنسانیّة الذی استعارته نصوص البیان العالمی لحقوق الإنسان من الأدیان الأبراهیمیة (التوحیدیّة).

وبعدها یتوصّل الکاتب إلی نتیجه مفادّها عدم القبول مبادئ حقوق الإنسان الراهنة وضرورة حذف مفهوم الکرامة الإنسانیّة من البیان العالمی لحقوق الإنسان لأنه استعاره من الدیانات الابراهیمیّة أی الیهودیّة والمسیحیّة والإسلام فی حین أنّ الدیانات الشرقیة (اللاتوحیدیّة) کالبوذیّة والهندوسیّة والکونفوشیوسیّة لاتؤمن بما یسمّی بالکرامة الإنسانیّة و قولهم صحیح لأنّ بعض تلک 3) یعتقد بعض الحقوقیین الامریکان بأنّ ابناء المجتمع الواحد یمکنهم الاتفاق علی القضایا الانتزاعیّة بالرغم من تباین معتقداتهم و هذا الاتفاق سیکون قائما علی تنظیرات لامتناهیه.

الدیانات کالهندوسیّة تتساءل لماذا تقولون بکرامة الإنسان فی حین أنّ جمیع الکائنات لها کرامه فکما للأنسان کرامته فالبقر ایضا له کرامه وهکذا القرد. عندما یتم توسیع نطاق مفهوم الکرامة علی هذا المنوال ویعمّم علی کافّة المخلوقات والکائنات فذلک یعنی نفی الکرامة. ما اودّ الاشارة الیه أنّه خلافا للنّظریّة القائلة بأنّ مفهوم الکرامة الإنسانیّة لیس دینیا وانّما مفهوما علمانیا وعلیه یصبح مفهوم حقوق الإنسان، مفهوما لادینیا وعلینا کمسلمین عدم اللجوء إلی نصوصنا الدینیّة والی القرآن والسنّة النبویّة لاستنباطه منها بل یجب أن نکون عملانیین ونقبل بها من منطلق ضرورات الواقع الاجتماعی القائم. فنحن نعتقد بأنّ هذا الرأی لا یصح لأنّ البیان العالمی لحقوق الإنسان یستند فی الأساس علی مفهوم الکرامة الإنسانیّة.

وهؤلاء (الغربیین) انفسهم یعتقدون بأنّ جذور مفهوم الکرامة الإنسانیّة تعود الی الأدیان الإبراهیمیّة واستعارتها الوثائق الخاصّة بحقوق الإنسان. هنالک اشکالیه أخری یطرحها السید شبستری بهذا الصدد ویقول: إذا قلتم بأنّکم بحثتم فی الکتاب والسنّة عن هذه الحقوق وأنّ الکتاب والسنة ینصّان علیها وأنّ الله منحنا إیّاها فستفقد حقوق الإنسان هویّتها الأصلیّة فهی حقوق لکوننا بشر. مجرّد التساؤل هل الله منحنا إیّاها أم لا سیسلبها هوّیتها الاصلیّة لأنّها تخص الجمیع ولیس المؤمنین بالله عزّوجلّ فقط او لمن یؤمن بالقرآن والسنّة لأن فی مثل هذه الحاله یصبح موضوع حقوق الإنسان موضوعا داخلیا یخص العالم الإسلامی أو البلدان الإسلامیّة فی حین إنّها تتخد طابعا عالمیا لذلک عند الحدیث عن منطلقاتها فی الکتاب والسنّة والقول بأنّها منحه وعطیّه من الله سبحانه عزّوجل فلن تعود حقوقا للإنسان بما هو إنسان، فهی حقوق بوصفنا مسلمین أو حقوق المسیحیین بالنسبة لهم و فی هذه الحاله یحق لنا کمسلمین القبول بها بوصفنا مسلمین.

هذه الإشکالیّة التی یطرحها السید شبستری مرفوضه من وجهة نظری. لأننا عندما نقول بأنّ الکتاب والسنّة منحانا هذه الحقوق و یقبلان بها لیس کوننا مسلمین بل لأنّ الکتاب والسنّة یصرّحان بهذه الحقوق لکلّ إنسان بما هو إنسان ولایوجد دلیل أکثر صراحه علی ادّعائنا هذا اکثر من الآیة الشریفة التی تقول: «لقد کرّمنا بنی آدم» فلو کان المفترض حصرها بالمسلمین لکانت صیغة الآیة المذکورة "لقد کرّمنا المؤمنین او کرّمنا المسلمین".

فلو کان من المقرّر القول بأنّ مفهوم الکرامة یعنی کرامة المسلمین لصرّحت الآیة الشریفة بذلک ولکنها لم تنص علی منح الکرامة للمسلمین فقط فهی تصرّح بوضوح علی إعطائها للإنسان. أذن لم الاصرار علی التغافل عن الإشارة إلیها فی نصوصنا الدینیّة والتأکید علی أنّها حقوق لادینیّة. یطرح السید شبستری اشکالیّه أخری بقوله: عند اللجوء الی الکتاب والسنّة والفول بأنّ الله سبحانه عزّوجل منح الإنسان الکرامة کونه أنسانا وأنّ الله منحه الحریّة وهو الذی أعطاه حقّ الحیاة ویعترف بالحریّة الدینیّة، عندها قد شخص ویقول: لم یمنحنا الله سبحانه عزّوجل تلک الحقوق فهذا تفسیرکم ولا نقبل به و بمجرّد بأنّ الله منحنا هذه الحقوق سیأتی شخص آخر لیقول لنا: کلّا .... لم یمنحنا الله إیّاها. عند أستقراء استدلالهم نجد أنّ لکلّ منهم رأیه الخاص حول عدد هذه الحقوق فبعضهم یعدّها أربعه والآخر خمسه أو أکثر فی حین یحاول آخرون اللحاق برکب البیان العالمی لحقوق الإنسان ویعدّونها عشرین حقا.

برأیی هذه الاشکالیّة غیر وارده لأنّنا عندما نقول نحن نؤمن بهذه الحقوق علی أساس الکتاب والسنّة ونمنحها للإنسان بما هو إنسان، فنحن لا نقول ذلک جزافا لأن للبلدان الإسلامیّة مرجعها الذی ترجع إلیه إلا وهو منظمة التعاون الإسلامی التی تعتبر الفیصل فی هذا الموضوع ولیس رؤیة ذلک الوهابی الذی أشرنا إلیه إو فتوی ذلک المفتی القابع فی جبال قندهار بأفغانستان لأنّ البلدان الإسلامیّة تعتبر منظمة التعاون الإسلامی مرجعها الرسمی بهذا الخصوص.

سنتابع المقال قریبا.....

ماوصلت تعليق