الدکتور بیراني في الاجتماع الأخیر للمجلس المرکزي للجماعة: مقاصد الشریعة بإمکانها أن تکون قاسما مشترکا بین المجتمعات الإسلامیة والمجتمع العالمي

الدکتور بیراني في الاجتماع الأخیر للمجلس المرکزي للجماعة: مقاصد الشریعة بإمکانها أن تکون قاسما مشترکا بین المجتمعات الإسلامیة والمجتمع العالمي

حضر الأمین العام لجماعة الدعوة والإصلاح الدکتور عبد الرحمن بیراني في اجتماع المجلس المرکزي للجماعة في طهران یوم الخمیس 25 ذي الحجة وأکد علی النظرة المقاصدیة للدین. أفاد مراسل إصلاح‌وب بأن الأستاذ عبد الرحمن بیراني أکد في هذا الاجتماع علی المحاور الثلاثة وهي عبادة الله وعمارة الأرض وإقامة العدل إلی جانب مکانة المجتمعات البشریة وتحقیق مقاصد الشریعة. ونص کلمة الأمین العام في هذا الاجتماع کما یلي: بسم الله الرحمن الرحیم في هذا الاجتماع المبارک أرید أن أقدم لکم بعض القضایا وهي: إن غایة الأدیان السماویة علی مدار التأریخ دارت علی مدار ثلاثة محاور رئیسیة وهي عبادة الله وعمارة الأرض وإقامة العدل وهذه الأهداف السامیة قد واجهت العدید من التحدیات وبالتالي ظهر لها خصوم ومعارضون کثیرون مع وجود أتباع وحماة کثیرین.

ومن جانب آخر أن هناک بعض الأحداث الهامة التي قد تأثرت علی المعتقدات وسکوکیات المجتمعات وأن التطورات غیر المسبوقة العالمیة في القرن المنصرم تأثرت علیها تأثیرا کبیرا ومع الأسف أن حصة العالم الإسلامي من هذه الإنجازات الإیجابیة کانت سلبیة. الصراع بين التقليد والحداثة والاستعمار السیاسي والاقتصادي والثقافي وأحیانا العسکري المدمر تسبب بعض الارتباك والتناقض في الأفكار بین المسلمین وفي هذه الأثناء يمكن التعرف على اثنين من ردود الفعل الرئيسية على الأقل لنخبة العالم الإسلامي؛ من ناحیة إن بعض الفقهاء ونشطاء التیارات والحرکات حاولوا لإضفاء الشرعیة علی الظروف الحاكمة والأدوات والآليات الموجودة بدلا من بذل الجهد للاجتهاد وفهم نصوص القرآن والسنة وفقا لاحتياجات العصر؛ ومن ناحیة أخری هناک فریق من المفكرين الاجتماعيين والبشريين والنشطاء السیاسیین بذلوا قصاری جهودهم بغیة الحفاظ علی مکانة المسلمین کخیر أمة أخرجت للناس وسعوا لتحدیث أشكال العلوم الاسلامية وتفکراتهم وأبحاثهم بالآیات والمفاهیم القرآنیة وفي الحقیقة أن جهودهم صبت لتکییف الإسلام للتطورات حتی لا يتخلف المسلمون حسب رأيهم عن قافلة الحضارة الجديدة.

وفي مثل هذه الظروف کان من المتوقع الخروج منها أمرا ضروريا بل واجبا شرعيا؛ الحاجة إلی تفکر بناء واستراتیجي برزت أکثر من ذي قبل حتی یتم استخراج الرسائل والتوصیات والاتجاهات الجدیدة للدین في إطار القواعد الشرعیة والظروف الزمنیة ومتطلبات الوقت وبأداة وطرق جدیدة والتأکید علی حقیقة عالمیة الرسالة الإسلامیة وعالمیة الأمة المسلمة وعقلها وفکرتها في ظل هذه النصائح؛ حتی یمکن للمسلمین تقدیم تعالیمهم الحضاریة لقافلة الحضارة البشریة؛ في الحقیقة أن الصحوة الإسلامیة وظهور الحرکات الإسلامیة المعاصرة جاءت استجابة للأمر الإلهي "ولتکن منکم أمة یدعون إلی الخیر" وردا قویا علی حاجات البشر في العصر الحالي وأن هذه الحرکات حققت إنجازات کبیرة وقدمت خدمات جسیمة للمجتمعات الإسلامیة طوال القرن الأخیر وعززت روح الدیانة والالتزام بالأخلاق ولکن اتخاذ الأهداف والاستراتیجیات الطموحة وأحیانا البعیدة عن الواقع والإمکانیات قد واجهتها بمشاکل وإخفاقات مختلفة من ناحیة وجعلتها في موقف المعارضة فاتسعت الفجوة بینها بین الحکومة الوطنیة من ناحیة أخری.

الیوم لا یمکن لأحد ولا یستحق له أن یفرض نوعا من الحکومة علی الشعب بل إن المواطنین هم الذین یختارون حکومتهم وبالتالي کل من التیارات والمجموعات الإسلامیة تقوم بتطبیق أنشطتهم في إطار قدراتها وإمکانیاتها وفقا للحریات المتاحة ونظرا للثغرات الموجودة. من هنا أرید أن أتطرق إلی مدارس مختلفة اهتمت بالعمارة وسعادة البشریة في مدار التأریخ:

1- مدرسة الفلسفة الإسلامیة: في هذه المدرسة حاول الفارابي والمعلم الثاني وأتباعه یحیی بن عدي وأبو سلیمان محمد السیستاني والعامري النیسابوري التنسیق بین المجتمع والأخلاق والسیاسة وادعی الفارابي أن غایة الفلسفة معرفة الله تعالی وأن عمارة الأرض تحقق سعادة الناس في الدنیا وفي الآخرة.

2- المدرسة الأخلاقیة الداعیة للعمارة أو مدرسة الأخلاق لأبي حامد محمد الغزالي کانت تعتقد أن غایة العلوم الاجتماعیة هي العمارة وبناء مجتمع أخلاقي؛ لأن سیادة الأخلاق وإشاعة المعنویة وإصلاح النفس هي السبب الرئیسي للعمارة وأن المجتمع الإسلامي یقوم علی تزکیة النفس والمعنویة وسیادة الأخلاق وفقا للغزالي.

3- المدرسة السیاسیة الحاملة لرایة العمارة وعلی رأسها الإمام أبو الحسن علي بن محمد الماوردي الذي یعتبر الأنظمة والمؤسسات الحکومیة أداة للعمارة ورفاهیة الناس ویشیر الماوردي في "الأحکام السلطانیة" إلی کیفیة إدارة البلاد من مختلف الجوانب ویولي الاهتمام للعمارة وسعادة الناس ویعتبرها من المهام الرئیسیة للحکومة الإسلامیة.

4- المدرسة الفقهیة لأبي الولید أحمد بن رشد الأندلسي: قادة هذه المدرسة وأتباعها یرون أن الفقه الإسلامي هو أداة في خدمة العمارة في مختلف المستویات العبادیة والعلاقات والمعاملات والتعامل والتدافع. حاول الفقهاء بإصلاح شؤون الناس الدنیویة وآخرتهم مستعینین بالفقه وبالتنسیق بین العقل والوحي. وبذل ابن رشد جهودا کبیرة للمصالحة بین النظرة الدینیة والفلسفیة وبین العقل والإیمان والحکمة والشریعة ومن هذه الجهود یمکن الإشارة إلی کتاب "فصل المقال بین الحکمة والشریعة من الاتصال".

5- بالتوازي مع هذه المدارس الإحیائیة وهذه التفکرات الإصلاحیة ظهرت مدرسة خامسة واهتمت بالعمارة وسعادة الناس ورفاهیتهم من منظور آخر وهي عبارة عن: المدرسة الاجتماعیة التأریخیة ومن أبرز شخصیاتها أبو زید عبد الرحمن بن خلدون مؤسس علم الاجتماع والانثروبولوجي والمورخ والسیاسي حیث قام بشرح العمارة وخطواتها ومسارها وکیفیة تشکیل مجتمع بشري مؤکدا علی ضرورة الاهتمام بالقضایا العمرانیة والاقتصادیة والثقافیة والسیاسیة إلی جانب النظام والانضباط الاجتماعي لتشکیل مجتمع إنساني إسلامي عامر حر منتظم متحضر حتی یمکنه توفير الراحة والتنمية والتطوير للمجتمع.

هنا أود أن أتطرق إلی الشریعة من منظور آخر: بعد دراسة دقیقة نری أن غایة الاجتماع حتی في المجتمعات التي لا تتبع نهجا دینیا ولا تهتم بدورها هي نفس مقاصد الشرع التي غیرها بعض الفقهاء وفي الخطاب الإسلامي یمکن حصرها في العناوین التالیة:

أ: حفظ الدین: أي الحفاظ علی منظومة القیم أو المعاییر التي هي أساس المجتمع؛ في الحقیقة أن کل مجتمع یسعی للحفاظ علی منظومة قیمها وأخلاقها ولو کانت صنع الإنسان وعقله بعیدة عن الرسالة والوحي السماوي. لأن الدین هنا بمعنی العام کما یعبر عنه القرآن الکریم: "لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ" إن الدین یوجه مسیر حیاة الإنسان ویحدد اتجاهه الفکري والسلوکي وعادتا ما یمکن فهم قیم المجتمع من خلال منظومته الفکریة.

ب: حفظ النفس: حفظ النفس کان ولا یزال مصدر القلق الرئیسي للمجتمعات البشریة وأساسا أن نظرية العقد الاجتماعي للفلاسفة کالنظریة والخطة التحويلية في تأریخ البشر قامت علی حفظ النفس وبني علیها أساس الحکومة وقواعد الاجتماع؛ لأن العقد الاجتماعي یؤکد علی أساس الحضارة والعمارة ومساءلة الحکام ومنع الاستبداد والفساد حتی یحول دون الانهیار الاجتماعي ویصون کرامة الإنسان وحریته وأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان کوثیقة دولیة یؤکد علی هذا الأمر.

ج:حفظ المال: لا شک فیه أن حفظ المال من الغایات الأساسیة بالنسبة للإنسان والمجتمعات البشریة؛ المال هو العمود الفقري للحياة وهو وسيلة للتنمية الحضارية وبناء العلاقات بین المجتمعات وهو حجر الأساس للتجارة والصناعة والرفاهیة والازدهار؛ إن الفقر والتخلف شائن للفرد والمجتمع والحفاظ علی المال ضروري ومحمود.

هـ: الحریة: من مقاصد الدین الأخری الحریة وهي جوهرة ثمینة تجدر من الفطرة البشریة؛ المیل للحریة لا یخص الإنسان بل یکمن في جمیع الکائنات الحیة ومن الواضح الحریة في منطق الإسلام والعقل السلیم عبارة عن حق الانتخاب الحر وتفعیل الإمکانیات وازدهار القدرات الخلاقة والبُعد عن الوقوع في فخ الأهواء والمناصب والاسبتداد والبلطجیة والتعدی لحقوق الآخرین. إن التأریخ البشریة ملئ بالجهود والمجاهدات للأبطال الذین ضحوا بحیاتهم في سبیل حریة شعوبهم.

ط: إقامة القسط والعدل: العدالة في الإسلام قیمة محوري وأن الإنسان مأمور بإقامتها؛ العدالة هي میزان الله في الأرض ومیزان الحساب لیوم القیامة "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" وعلی مدار التأریخ البشري أکد الفقهاء والعلماء والحقوقیون والزعماء السیاسیون علی ضرورة إقامة القسط والعدل في المجتمع بطرق مختلفة واعتبروا تطبیقها علامة سلامة المجتمع وأن السلوک العادل خاصة للزعماء وسیلة لسیادة السلام والهدوء في المجتمع.