الاتفاق النووي وبرنامج إيران الصاروخي في الميزان الأوروبي

صابر كل عنبري

في أول كانون الأول/ديسمبر غرّد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عما وصفه باختبار إيراني لصاروخ بالستي متوسط المدى قادر على حمل رؤوس حربية متعددة، يصل مداه إلى أجزاء من أوروبا وأنحاء الشرق الأوسط منتهكا قرار 2231 لمجلس الأمن، حسب قوله.

رد عليه، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية في اليوم التالي دون أن ينفي أو يؤكد التجربة الصاروخية، قائلا: "ليس هناك أي قرار دولي يمنع برامج إيران الصاروخية أو تجاربها الصاروخية"، مؤكدا أن "برنامج إيران الصاروخي دفاعي، ويخطط له حسب احتياجات الدولة".

إقرأ أيضا: واشنطن تدعو الأمم المتحدة لمعاقبة إيران لـ"سلوكها الخبيث"

من المفارقة والطرافة هنا أن مايك بومبيو تحدث عن انتهاك إيران لقرار 2331 المكمل للاتفاق النووي، بينما الإدارة الأمريكية نقضت بالكامل هذا القرار بانسحابها من الاتفاق، بالتالي بغض النظر عن أن التجارب الإيرانية تنتهك هذا القرار أم لا، فإنه لا يعقل أن يتحدث الوزير الأمريكي عن قرار نقضته واشنطن ولم تعد طرفا في الاتفاق الذي أوجده.

التماهي الأوروبي

لم تمر أيام معدودة على الإعلان الأمريكي، حتى اتخذت فرنسا وبريطانيا الشريكتان في الاتفاق النووي مواقف حادة، تماشيا مع السياسة الأمريكية تجاه البرنامج الصاروخي الإيراني. ثم بعد أن وصفت باريس ولندن التجارب الصاروخية الإيرانية بأنها "استفزازية وتتناقض مع قرار 2331 وذات طابع تهديد"، طالبتا بعقد اجتماع مغلق لمجلس الأمن للتباحث حول ذلك، والذي انتهى دون أن يصدر عنه بيان.

يأتي هذا الحماس الأوروبي بينما لم يحدث مثله بعد أن انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي في الثامن من أيار/مايو الماضي. فلم تطلب أوروبا اجتماعا لمجلس الأمن لدراسة انتهاك القرار نفسه بفعل هذا الانسحاب، ولم تتخذ مواقف صارمة بهذه الطريقة ضد واشنطن.

واكتفت الترويكا الأوروبية بتصريحات داعمة للاتفاق وضرورة الإبقاء عليه وسط انتقادات "خجولة" للموقف الأمريكي، لم ترق إلى مستوى انتقاداتها الحادة للبرنامج الصاروخي الإيراني.

ثم أنه منذ 7 أشهر على الإنسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وعودة العقوبات الأمريكية على مرحلتين، لم تفعل أوروبا شيئا يذكر يعكس ترجمة عملية لمواقفها الكلامية يعوض عن الخسائر التي تسبب بها الموقف الأمريكي من الاتفاق لطهران.

والإجراء العملي الذي وعد به الأوروبيون وهو إنشاء قناة مالية (SPV) لمواصلة التجارة مع إيران وتمكين الأخيرة من جني بعض مكاسبها الاقتصادية من الاتفاق النووي لم ير النور بعد، ما دفع كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقجي قبل عدة أيام إلى القول إن مكاسب طهران الاقتصادية من الإتفاق النووي اقتربت من الصفر.

إقرأ أيضا: لماذا لم تستثن واشنطن أوروبا من عقوباتها ضد إيران؟

لا يخفى أن مسؤولين إيرانيين على رأسهم مرشد الثورة حذر عدة مرات من الاعتماد على الموقف الأوروبي، مؤكدا أنه لا يثق بالأوروبيين، لكنه في الوقت ذاته لم يمانع من العمل معهم بهذا الصدد.

توافق كامل

في الحقيقة أوروبا تشترك مع إيران في قضية واحدة، وهو الاتفاق النووي، ولها دوافعها المختلفة عن الدوافع الإيرانية في ضرورة الحفاظ على هذا الاتفاق، لكن ثمة توافق كامل في الرؤى بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية حول قضايا أخرى متصلة بإيران مثل دورها الإقليمي، وبرنامجها الصاروخي، والموقف من الصراع في فلسطين.

على وقع ذلك، أصبح الاشتراك الوحيد في وجهات النظر الإيرانية-الأوروبية ضحية الخلافات بينهما في تلك القضايا المتعددة، ما حال دون أن تترتب أفعال على الموقف الأوروبي الداعم للاتفاق النووي.

عليه، ليس صحيحا اعتبار خلافات أوروبا مع بعض الرؤساء الأمريكيين مثل الرئيس ترامب حول بعض القضايا، بأنها تمثل شرخا استراتيجيا بين الحليفين. الأوروبيون رغم امتعاضهم من سلوكيات أمريكية على الساحة الدولية، لكنهم مازالو ينظرون إلى واشنطن كشريك استراتيجي، فالسياسة الخارجية الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم إن لم تكن تابعة للسياسات الأمريكية، تنسجم معها بشكل شبه كامل.

والسبب أن مصالح أوروبا السياسية، والأمنية والاقتصادية تتشابك مع المصالح الأمريكية، بينما تتعارض تلك المصالح مع إيران، بالتالي لا يريد الأوروبيون أو لا يستطيعون الوقوف ضد الولايات المتحدة والاصطفاف مع طهران في آن واحد.

نعم، صحيح أن أوروبا لا تريد أن ينهار الإتفاق النووي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أو تعجز عن تقديم ما هو المطلوب لتمكين إيران من جني مكاسبها الاقتصادية من الصفقة النووية.

يبدو أن الأوروبيين على قناعة أنه اذا ما قدموا دعما جادا لإيران في هذا الخصوص، من شأنه ذلك يبطل مفعول العقوبات الأمريكية أو يقلل آثارها بشكل كبير، لأنهم سيخسرون ورقة ضغط على إيران في القضايا الخلافية من جهة، وستواصل طهران طريقها دون أي عناء من جهة أخرى.

أوروبا لا تريد أن ينهار الإتفاق النووي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أو تعجز عن تقديم ما هو المطلوب لتمكين إيران من جني مكاسبها الإقتصادية من الصفقة النووية.

بالتالي يمكن القول إن أسباب تأخر أوروبا في تنفيذ وعودها لإنقاذ الاتفاق النووي لا تقتصر على الضغوط الأمريكية وتشابك المصالح مع واشنطن، فعلى ما يبدو فإن الأوروبيين ينتظرون أن تفعل العقوبات مفعولها على أمل أن تجبر إيران على الجلوس على طاولة التفاوض بشروط أمريكية علنية وأخرى أوروبية غير معلنة.

ولهذا، فإن مكاسب إيران في الاتفاق النووي باتت تقتصر على المصالح السياسية فحسب دون الاقتصادية التي اقتربت من الصفر إلى حد كبير، ويبدو أن تلك المصالح السياسية هي التي منعت طهران إلى اليوم من تنفيذ تهديداتها بالانسحاب من الإتفاق النووي، لأنها لا تريد أن تدفع بذلك الأوروبيين إلى الاصطفاف مع الأمريكيين سياسيا، ما يخلق اجماعا عالميا ضدها وتتدهور الأمور أكثر فأكثر.

خلاصة القول: إن أولوية أوروبا اليوم في التعامل مع إيران ليست تقديم دعم عملي للاتفاق النووي بما يساعدها على تحصيل منافعها الإقتصادية من هذا الاتفاق، وإنما أولويتها هي متابعة قضايا خلافية صاروخية أو إقليمية عبر الضغط غير المباشر على طهران. يؤكد ذلك رجوع أوروبا سريعا إلى مجلس الأمن ما إن سمعت من الأمريكيين أن إيران نفذت تجربة صاروخية بالستية، وكذلك مماطلتها في تنفيذ تعهداتها بموجب الاتفاق النووي.

كما أن التردد الأوروبي في تنفيذ تلك التعهدات والوعود والتركيز على قضايا أخرى يبعث برسالة إلى الإيرانيين مفادها أنه إذا كنتم تريدون تحصيل منافع الإتفاق النووي يجب حل تلك القضايا أولا.

بخش اخبار: 
اصلی