في حوار مع الشيخ عبد الكريم محمدي: نشأة الفقه الشافعي واتساعه على صعيد العالم الإسلامي(1)

في حوار مع الشيخ عبد الكريم محمدي:  نشأة الفقه الشافعي واتساعه على صعيد العالم الإسلامي(1)

تقنين الاجتهاد وصناعة القاعدة عبر وضع وبناء قواعد أصول الفقه كان من ابتكارات الإمام الشافعي في الفقه. كان الفقهاء قبل الإمام الشافعي حتى في أعلى مراتب الاجتهاد (الاجتهاد المطلق والمستقل) يستخرج الأحكام الفرعية ويستنبطها عبر الذوق والفراسة والفهم الفطري (وليس عبر العناية بقواعد أصولية مدونة). إذن بإمكاننا أن نقارن إنجاز الإمام الشافعي في هذا المجال بإنجاز السابقين في العلوم الأخرى. خاص الاجتهاد:

خلال هذا الحوار يقوم عضو مجلس تخطيط مدارس العلوم الدينية لأهل السنة وكذلك عضو هيأت إفتاء أهل السنة في جنوب إيران سماحة الشيخ عبدالكريم محمدي بتعريف الإمام الشافعي -رحمه الله – وتبيين نشأة الفقه الشافعي ومدارسه وأصوله وكيفية فاعليته واتساعه على صعيد العالم الإسلامي وعلاقته بعلوم الكلام والاجتهاد. كما يبين سماحته بوضوح موقف الفقه الشافعي من التطرف والعنف.

وإليكم نص الحوار:

يتمتع الفقه الشافعي بتأريخ مديد في إيران ويعتنق عدد كبير من الإيرانيين السنة المذهب الشافعي. ما هي ميزات الفقه الشافعي بالنسبة إلى فقه المذاهب الأخرى؟

كانت للفقه الشافعي منذ ظهوره ميزات حصرية في تأريخ الفقه الإسلامي. مؤسس الفقه الشافعي هو محمد بن إدريس الشافعي الذي ولد عام 150 للهجرة بغزة . تلمّذ الإمام الشافعي في أوان تعلمه من أساتذة كبار كـ”مسلم بن خالد” و“سفيان بن عيينه” و“سعيد بن سالم” و“داوود بن عبدالرحمن” و “عبدالحميد بن عبدالعزيز” الذين كانوا كلهم من الفقهاء الكبار في عصرهم و بفضل علم هؤلاء الأساتذة وعبقريته الذهنية نال الإمام الشافعي درجة رفيعة. قدم الإمام الشافعي طوال حياته أهم مباحث أصول الفقه في تأريخ الفقاهة في الإسلام، الأمر الذي ساهم في التطور على مر الزمان في تأريخ الإسلام وأصبح مستوحيا في النمو الفقهي للمذاهب الأخرى. فكان الأسلوب الفقهي للإمام الشافعي دائما محل العناية ويستفاد منه بشكل مباشر أو غير مباشر في المذاهب الأخرى وهذه هي الميزة البارزة لفقه الإمام الشافعي بالنسبة إلى المذاهب الأخرى.

ما هي مكانة الإمام الشافعي العلمية كفقيه بين معاصريه من الفقهاء؟

قد كان الإمام الشافعي في عصره شخصية عظيمة و ربما فريدة في الفقه. استخدم الإمام الشافعي أسلوبا حديثا في استنباط الأحكام الشرعية بتقريره أصول وقواعد العلوم الدينية و تجزئة و تحليلها.

هناك ثلاث نقاط في فقه الإمام الشافعي ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار:

الأولى: إن الإمام الشافعي حافظ على التوازن المطلوب في مجال استنباط الأحكام الفرعية بين المدارس الثلاث (مدرسة القرآن بمكة ومدرسة الحديث بمدينة ومدرسة أهل الرأي في العراق)، واجتنب عن الإفراط والتفريط في كل من المدارس، بعبارة أخرى لم تكن رؤية الإمام الشافعي ذات بعد واحد.

الثانية : إنه منع بعضا من المصادر في الفقه، التي كانت تستخدم بشكل عامي و دون حجة قوية. اعتبر الإمام الشافعي استنباط الأحكام الفرعية جائزا فقط عبر الأدلة الدينية ( القرآن والحديث والإجماع وآثار الأصحاب والقياس عليها) ورفض الاستحسان والعرف والمصالح المرسلة كمصادر للأحكام الدينية.

الثالثة: تقنين الاجتهاد وصناعة القاعدة عبر وضع وبناء قواعد أصول الفقه وهذا الأمر كان من ابتكارات الإمام الشافعي في الفقه. كان الفقهاء قبل الإمام الشافعي حتى في أعلى مراتب الاجتهاد ( أي الاجتهاد المطلق والمستقل ) يستخرج الأحكام الفرعية ويستنبطها عبر الذوق والفراسة والفهم الفطري (وليس عبر العناية بقواعد أصولية مدونة). إذن بإمكاننا أن نقارن إنجاز الإمام الشافعي في هذا المجال بإنجاز السابقين في العلوم الأخرى.

كما كان العلماء يميزون صحة البراهين ونظم الأشعار ووزنها بواسطة الذوق والفراسة والفهم الفطري قبل أن يبني أرسطو قوانين علم المنطق وقبل أن يضع خليل بن أحمد علم العروض . مازالت مكانة السابقين في فهم العلم عاليا في مجالهم العلمي ولهذا السبب مكانة الإمام الشافعي في الفقه رفيعة أيضا؛ لأنه هو الشخص الذي أخرج استنباط الفقه عن فطرة الفقيه وأوصله إلى مرحلة الأصول وصياغة القاعدة.

تواجد هذه الميزات في الأسلوب الاجتهادي لدى الإمام الشافعي إلى جانب ابتكاره في قواعد علم أصول الفقه أدى إلى تطورين عظيمين في الفقه، الأول: في بيئة التعليم والتدريس لديه والثاني: في مجال الاجتهاد الإسلامي الواسع.

بالنسبة للتطور الأول أصبحت حلقة تدريسه نشيطاً و ذات حماس و جاذبية والذي جذب إليه أنجم سماء المعرفة في ذلك العصر كـ” أحمد بن خليل” و“اسحاق بن راهوية” و“بشر مريسي” و“عبدالله بن محمد” وأصبح كل من هؤلاء الأشخاص عالما كبيرا، كما أن التطور الثاني جعل الاجتهاد الإسلامي ذات إطار وأصول محدد. بناء على هذا الابتكار، الإمام الشافعي هو أول من يكتب أصول الفقه. لم يكن قبله في العالم الإسلامي شيء يسمى أصول الفقه. لكن الإمام الشافعي يقوم بتأسيس أصول الفقه وجعل الفقه علماً معيناً وحوله إلى إطار ذات إختبار وتقييم.

في تلك الفترة تدخل أصول تصحيح الحديث و أصول التحقيق في رواية الحديث في الفقه على يد الإمام الشافعي . لهذا يتأثر المحدثون الكبار في العالم الإسلامي بأسلوب الإمام الشافعي ويقومون بجمع الحديث وفق الأصول التي يدخلها الإمام الشافعي في الفقه. أحد الطرق الهامة عند الإمام الشافعي هو العناية بتأريخ علم الحديث وهذا الأسلوب ساعد في أن يصبح جمع الحديث ذات طوابع علمية واعتبارية. عندما نضع هذه الحالات إلى جانب البعض، نرى أنه لم يستطع فقيه قبل الإمام الشافعي ولا بعده أن يعطي الفقه والحديث أسلوبا وإطاراً علمياً ما يتحول هذا الأسلوب إلى أسلوب رائج بين الفقهاء والمحدثين الذين جاءوا فيما بعد.

هل يمكنكم أن تعطينا توضيحاً عن كتاب “الأم ”للإمام الشافعي؟

“الأم” هو أول كتاب فقهي في العالم الإسلامي. هذا الكتاب موسوعة فقهية التي ليس سهلا لنا أن نفهم كل مواضيعها. يؤلف الإمام الشافعي هذا الكتاب كعبقري في مجال الفقه كي يستطيع الفقهاء الآخرون بالاستفادة من أسلوبه وأصوله الفقهيين والتأسي به أن يدخلوا أصول الفقه في المذاهب الأخرى. إذن يجب أن يعتبر تأليف كتاب ”الأم” بغموضاته الفقهية من زمرة الآثار التاريخية في الفقه الإسلامي.

كيف استطاع الفقه الشافعي أن يحصل على هذا الإنجازات العلمية في العالم الإسلامي؟

هناك نقاط عدة تميز الفقه الشافعي عن فقه المذاهب الأخرى:

الأولى اعتماد الفقه الشافعي على أصول الفقه. يعني إن الفقه الشافعي له أصول وقواعد فقهية وهذا الأسلوب أثر على المذاهب الأخرى على مر العصور. يحدد في الفقه الشافعى الأصول أولاً ثم يعرض الفقه نفسه، إذن إن لم يكن الفقيه بارعاً في أصول الفقه لا يستطع أن يفتي بالسهولة وبمجرد الاعتماد على الاجتهاد الشخصي.

النقطة الثانية هو تأكيد الفقه الشافعي على أهداف الشريعة. ليس الفقه الشافعي فقهاً ظاهرياً معتمداً على الاستنباط الظاهري من النصوص (الكتاب و السنة). بل يؤكد هذا الفقه بالاعتماد على التاريخ، أقصى حد لتلقي أهداف الشريعة، وهذا الأمر يساعد على فاعلية الفقه الشافعي في المجتمع. الهادفية في تلقي الحد الأقصى للأهداف تسبب في استمرار نشاط الفقه الشافعي مع مرور الزمن وتغيير الظروف.

النقطة الثالثة هي إن الفقه الشافعي له أبرز أسلوب ديني للتسامح الاجتماعي . فنرى أن هذا الفقه نمى نمواً أسرع في المناطق المختلفة من العالم، وكان أكثر تلائماً لا سيما في المناطق التي كانت نقطة تلاقي الحضارات والثقافات.

النقطة الرابعة هي إن الفقه الشافعي يعتني بتأريخ العلم. المطالعة في تأريخ العلم يساعدنا أن يكون لدينا فهم أحسن للنصوص الدينية وظروف نزولها أو إلقائها و نستطيع أن نستنبط مقصود الشارع بشكل أحسن. هذا الفهم يساعد الفقيه أن يصدر فتوى يكون أقرب إلى هدف الشارع الرئيسي .

حضرتك قلت إن الفقه الشافعي أثر على المذاهب الأخرى هل يمكنك أن توضح لنا أكثر؟

لقد أثرت الأصول الفقهية للإمام الشافعي في الفقهاء الآخرين. هذه الأصول تسببت في ظهور أكبر الفقهاء في المذهب الشافعي. كل واحد من الفقهاء الذين ظهروا في الفقه الشافعي كان له أسلوب خاص وكان مؤثرا في تأريخ الفقه، وهذا الأمر يعود إلى اطلاعهم على أصول الفقه. هذا و اتبع أكابر الفقهاء من سائر المذاهب من الحنفيين والحنابلة والمالكية أصول الفقه الشافعي أيضا. هؤلاء الفقهاء رغم مخالفتهم الإمام الشافعي في استنباط الأحكام استخدموا أصوله وأسلوبه في مذاهبهم.

إذن تأثير أصول الفقه الشافعي في مذاهب الحنفية والمالكية والحنبلية شديد. على سبيل المثال يمكن أن نشير إلى الفقيه ”ابن حاجيب المالكي” رغم أنه مالكي المذهب، لكن أسلوبه الفقهي هو أصول فقه الإمام الشافعي. عندما ننظر في مؤلفات الفقهاء الآخرين يمكننا أن نجد آثارا من اتباع أصول الفقه الشافعي رغم أنهم لم يكونوا من الشافعية.

هل كان للفقه الشافعي تأثير على تكون الحضارة الإسلامية؟

لم يؤثر أي فقه على الحضارة الإسلامية على قدر فقه الإمام الشافعي. في أية ناحية من البلاد الإسلامية التي تشكلت فيها الحضارة الإسلامية بكل ما له من معنى كان الفقه الشافعي مؤثرا. لو تنظر في مذهب عظماء الفلاسفة والرياضيين والمحدثين والشعراء و… في تأريخ الإسلام، لترى أن معظمهم كانوا ينتمون إلى المذهب الشافعي. لأن المذهب الشافعي بشكل عام مذهب تعاملي وعقلاني ويتلائم الفكر البشري. تسببت سيادة الواقعية في المذهب الشاعي بأن يكون الفقه الشافعي أكثر تلائما مع ظروف الزمان.

هل هناك علاقة بين الفقه الشافعي و علم الكلام؟

كان الإمام الشافعي لديه معلومات عميقة عن علم الكلام . يروي ”المزني” أحد أبرز تلامذته عن الإمام الشافعي أنه قال ”ولقد دخلت فيه حتى بلغت منه مبلغا”. كان الإمام الشافعي قبل فترة شبابه وقبل أن يتبحر في الفقه قد اطلع على علم الكلام وكان عارفا به . كما يقول “ابن حجر العسقلاني” نقلا عن ”ابو اسحاق” : كان الشافعى يناظر بعضا من الفقهاء بأسلوب علماء علم الكلام ويتباحث مع الجانب الآخر بدقة بالغة ” هناك علاقة بين أصول فقه الإمام الشافعي وبين أصول الفقه الكلامي. في هذه الأصول العقل والفكر لهما أهمية لأجل الحصول على مقصود الشارع .

إذن هناك مكانة مهمة في فقه الإمام الشافعي لفلسفة الأحكام . رغم هذه التفاصيل يربط الأسلوب الفقهي للإمام الشافعى بين أصل الفقه وبين العقل والفكر، فهذا الفقه لا يتعارض علم الكلام. لكن علم الكلام بحد ذاته واسع جدا بكل فروعه من الكلام المتأثر بالفلاسفة الإغريقيين وصولاً إلى كلام الفئات الإسلامية المختلفة. لقد تم الاهتمام بالأسلوب الكلامي في مذهب الإمام الشافعي الفقهي ، هذا وفي المذاهب الأخرى لم يعط هذا العلم اهتماما. هذا يدل على ذكاء الإمام الشافعي لأنه استخدم علماً لصالح الفقه بدل أن يكون ضده. كان الإمام الشافعي يقبل أسلوب علم الكلام لكنه يعارض الأراء الكلامية المعاصرة له من حيث المحتوى التي كانت متأثرة بالفلاسفة الإغريقيين. كان بين الأسلوب والمحتوى فرق. كان الإمام الشافعي يرد على شبهات الكلاميين الذين تأثروا بالفلاسفة الإغريقيين، بالفكر الإسلامي.

هل اكتمل فقه الإمام الشافعي في زمن حياته أم على مر التأريخ ؟ وإن تكن لهذا التكامل وتيرة زمنية أي أحد من تلامذته كان له الدور في هذا التكامل؟

بداية يجب أن نشير إلى دور الإمام الشافعي نفسه في التطور الفقهي لهذا المذهب . كان الإمام الشافعي عبقريا فقهيا أدخل أصول الفقه في الفقه. لكن هذه السعة في النظرة العلمية لا يمكن أن تظهر دون تبادل وجهات النظر في داخل المذهب. لهذا شهد الفقه الشافعي بعده ظهور المدارس الفقهية داخل المذهب وهذا الأمر قد كان ناتجا عن ظهور أكابر الفقهاء وذوي الأسلوب داخل المذهب الشافعي في أنحاء مختلفة من العالم . كانت هذه الأساليب الفقهية مشتركة في النمط والأصول لكنها كانت تختلف بعضها بعضا في المحتوى.

لهذا الأساليب داخل المذهب الشافعي قوية جدا وكانت نفسها مؤثرة في تنمية هذا الفقه. بشكل عام كان الفقه الشافعي شهد ظهور أعاظم الفقهاء طوال التأريخ لأن هذا الفقه له زوايا وروايات مختلفة وكان التباحث داخل المذهب موجودا طوال التأريخ دائما. يمكن أن نذكر من بين كبراء تلامذة الإمام الشافعي ”اسماعيل المزني المصري” و”أبا يعقوب البويطي” و“ربيع بن سليمان المرادي المصري“. يكتب الماوردي قاضي البصرة في تطور تأريخي كتاب الإقناع وثم تبدأ كتابة الفقه الشافعي بعده و تتكون مدرستان كبيرتان في الفقه الشافعي. مدرسة البصريين ومدرسة البغداديين اللتان ربّت كل منهما كثيرا من الفقهاء في حضنها.

يوفر فقهاء الشافعية المجال لتنمية هذا المذهب في البلدان الإسلامية المختلفة لأنهم كانت لديهم القدرة العلمية والمدرسة والكتب المحددة والثابتة؛ كما يهتم حتى اليوم في المدارس الدينية للسنة في إيران بأسلوب الإمام الجويني في الفقه كفقيه شافعي المذهب. فيمكننا أن نقول إن تأثير الإمام الشافعي كمبتكر في أصول الفقه من ناحية والنظرة السائدة وتبادل الآراء داخل المذهب من جانب آخر أدى إلى تنمية وتكامل الفقه الشافعي وكان لتلاميذ الإمام الشافعي وأكابر الفقهاء الشافعيين دور بارز في تكون هذا المعلاج.

المصدر: موقع مجتمع ديني بستك

ماوصلت تعليق