الاحتجاجات في إيران بين المسببات والارتدادات

صابر كل عنبري

وسط حديث خارجي عن مكاسب إيران الإقليمية، ونشوة الداخل بها، وبين رعب بثته الزلازل المتكررة في نفوس الإيرانيين لاسيما في العاصمة طهران، خطفت الاحتجاجات "المفاجئة" الأنظار والأضواء، صارفا إياها عن تلك المكاسب والزلازل الطبيعية.

إيران أيضا دولة شرق أوسطية، حالها حال بقية البلدان في هذه المنطقة، فلا داعي للاستغراب كثيرا مما يحدث، كأننا أمام دولة في كوكب آخر، ثم نسخ تحليلات وتفسيرات رغبوية، تخيطها رغبات وأهواء المحلل، كتلك التي كانت تحدد موعد انهيار النظام الإيراني باليوم والساعة.

في عام 2009، شهدت إيران احتجاجات مماثلة على نتائج الانتخابات الرئاسية، لكن ثمة فوارق كبيرة بينها وبين ما يجري اليوم شكلا ومضمونا. أولا المحرك الأساسي في 2009 كان سياسيا بامتياز، أما اليوم اقتصادي، ثانيا، كانت الأولى تقودها النخبة والقيادة معروفة، والثانية بلا رأس، يقودها "التلغرام" إن صح التعبير، وثالثا، ولعل الأهم، أن مظاهرات 2009 كانت تتركز في العاصمة طهران دون غيرها، والمدن الصغيرة التي شهدت احتجاجات خلال الأيام الماضية لم تشارك أصلا في تلك الأحداث، ثم أن مظاهرات اليوم أكثر انتشارا جغرافيا، لكنها أقل عددا، لا يقارن من هذه الناحية بحجم المظاهرات الضخمة التي شهدتها طهران عام 2009.

خطورة احتجاجات اليوم، كانت تكمن في انتشارها الجغرافي وعدم وجود قيادة معروفة لها، فنتج عن ذلك، أولا، تعدد المضامين، والأهداف، والهتافات، وتجاوز المحرك الاقتصادي، ثانيا، استشراء العنف ومظاهر التخريب في المظاهرات ومهاجمة الممتلكات العامة، وغيرها، ثالثا تعاظم محاولات خارجية سواء من الولايات المتحدة الأمريكية وقوى أخرى، أو المعارضة الإيرانية في الخارج لركوب الموجة، وصرفها نحو مطالب وهتافات مثل المطالبة بـ "عودة الملكية".

جُلّ ذلك كان ينذر بتكرار ما حلّ بدول عربية من مصائب ونوازل، على رأسها سوريا في إيران، أما ما يقف سدا منعيا أمام ذلك، تغلغل هذا المشهد المأساوي عميقا في اللاوعي الإيراني، لذلك بالرغم من أن تردي الاقتصاد يمس حياة الجميع، أقله غالبية الشعب، إلا أنه عكس ما يُروج في وسائل إعلام أجنبية، لم تكن الاحتجاجات حالة شعبية عارمة، واستشراء مظاهر العنف، دفع كثيرا ممن شارك في أيامها الأولى للعزوف عن المشاركة لاحقا.

الدوافع والمسببات

في بادي الأمر، تناولت مختلف التيارات السياسية أسباب الاحتجاجات من منطلق المناكفة والتجاذب، فبعد انطلاق شرارة الاحتجاجات في مدينة مشهد معقل المرشح الرئاسي الأصولي "إبراهيم رئيسي"، اتهم الإصلاحيون، وعلى رأسهم النائب الأول للرئيس روحاني اسحاق جهانغيري خصومهم بالوقوف وراء هذه المظاهرات، مرددين: من اشعل النار ليس من يطفئها.

وفي المقابل، اتهم المحافظون الحكومة بأنها هي التي اشعلت الاحتجاجات بسياساتها الاقتصادية الفاشلة، معتبرين مطالب المحتجين بالمحقة والعادلة، رد عليهم الرئيس روحاني المقرّب من الإصلاحيين بأن الاقتصاد ليس العامل الوحيد فحسب، بل هناك مطالب بتحقيق انفتاحا أكثر. بذلك سعى روحاني أن يرمي الكرة في ملعب الآخر.

بعد أن خرجت المظاهرات عن طابعها السلمي، وتخللتها مظاهر العنف، ورفعت خلالها هتافات سياسية مناهضة للنظام، كادت أن تثير بلبلة كبرى بالبلد، اتفق جميع التيارات السياسية (الإصلاحية والمحافظة) بالوقوف في وجهها، وتوجيه الاتهام للخارج.

في دراسة لبؤر المظاهرات، أجرتها قناة بي بي سي البريطانية، تبين أن العامل الاقتصادي هو المحرك الأساسي للاحتجاجات، حيث أن 90 بالمائة من المدن الصغيرة التي خرجت منها المظاهرات، كانت قد شهدت احتجاجات خلال العامين الماضيين، سواء من قبل العمّال لتأخير رواتبهم وظروف عملهم أو أصحاب الأموال المهدورة في البنوك والمؤسسات المالية الخاصة أو العاطلون عن العمل.

كذلك معظم المشاركين في المظاهرات، هم شباب في عشرينيات من العمر، الذين يعانون من البطالة، باحثون عن العمل.

ما زاد الطين بلة، الموازنة الجديدة التي قدّمها الرئيس روحاني في ديسمبر الماضي للبرلمان الإيراني لإقرارها، والتي قررت الحكومة بموجبها رفع أسعار سلع أساسية، مثل الوقود التي ارتفاع اسعارها تلقائيا يرفع أسعار بقية السلع في السوق، ثم قطع الدعم النقدي الشهري عن 30 مليون إيراني.

تتحمل حكومة الرئيس روحاني جزء كبيرا من مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، حيث وضع كل بيضه في سلة الاتفاق النووي الذي لم تؤت أكله الاقتصادية كما وعد بها، رافعا سقف توقعات الناس، ولم تتدفق الاستثمارات الأجنبية كما كان مأمولا ومرجوا من الاتفاق. ثانيا، هو في خطاباته وكلماته يقدم أرقاما عن النمو الاقتصادي، يخص قطاعات مثل قطاع النفط، لايشعر بها المواطن العادي في حياته اليومية، ثالثا، لم تقم الحكومة بمعالجة شاملة لمشاكل بنيوية يعاني منها الاقتصاد، تتعلق بعدم وجود خصخصة حقيقية، والفساد الذي ينخر جسمه.

مع ذلك، ليس من الانصاف تحميل الحكومة الحالية مسؤولية هذا التدهور كله، فهي ورثت ذلك من حكومة الرئيس أحمدي نجاد، الذي يتهمه الإصلاحيون بتدمير اقتصاد إيران، وأن إصلاحه بحاجة إلى عقود، وليس سنوات حسب قولهم.

أن يكون عنصر الاقتصاد المحرك الأساسي للمظاهرات أو مفجّرها، لا يعني إغفال أسباب كامنة أخرى، كانت لها دور مساعد. تتمثل في تراكم واجتماع عوامل عدة، سياسيا، واجتماعيا، وثقافيا، ودينيا، أحدث مع مرور الزمن تحولا فكريا لدى شرائح في المجتمع، كوّن لديها قناعات وأولويات أخرى. ومن هذا المنطلق، جاءت هتافات ضد دعم فلسطين، والنظام السوري، وحزب الله.

وفي السياق نفسه، لا يمكن تجاهل أيضا أن جهات مشبوهة سواء في الداخل أو الخارج، كان لها أيضا دور كبير خلال السنوات الماضية في التأثير على الرأي العام الإيراني تجاه القضية الفلسطينية مثلا، عبر نشر اشاعات مغرضة، كرفض الفلسطينيين خلال حرب 2008ـ2009، استلام الدم من الهلال الأحمر الإيراني لأنه دم "الروافض"، وكذلك أن الفلسطينيين هم "النواصب" (أي أعداء أهل البيت عليهم السلام)، وما شابه ذلك.

عموما، أيا كان سبب الاحتجاجات، فهي من أخطر أحداث تواجهها الثورة منذ عام 1979، سمّاها القائد العام للحرس الثوري الإيراني بـ "فتنة 1396" (أي العام الإيراني 2018) يوم الخميس الماضي.

الارتدادات والآثار

للاحتجاجات ارتدادات داخلية، وإقليمية، ودولية، ستظل قائمة، فداخليا يفترض أن يوظفها الأصوليون في مواجهة خصومهم الإصلاحيين، والضغط على الرئيس روحاني، كذلك الاستثمار في ذلك كعامل ضغط في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمتين. ثم المتوقع أيضا أن تراجع الحكومة بنودا للموازنة، تمس بشكل مباشر حياة المواطنين، مثل ارتفاع الاسعار، وإلغاء الدعم النقدي الشهري.

من آثار الاحتجاجات دوليا، أنها تجرّئ الأمريكيين لتكثيف ضغوطهم الاقتصادية على إيران، وبلورة قناعة لديهم أكثر من قبل، فحواها أن العقوبات تؤتي أكلها وتساهم في مزيد من تردي الاقتصاد الإيراني، لغرض تحريض المواطنين على الحكومة الإيرانية.

على الصعيد الداخلي أيضا، وبعد أشهر من هجمات الرئيس أحمدي نجاد التصعيدية ضد مؤسسات سيادية، على الأغلب، عجّلت هذه الاحتجاجات مصيره المحتوم وسيكون ممن سيدفع ثمنها خلال الفترة القادمة، هذا ما لمّح إليه اللواء جعفري دون أن يسمّيه، بالقول إن الأنباء تتحدث عن دور مسؤول سابق اتخذ في الآونة الأخيرة موقفا معارضا لقيم النظام ومبادئه، في اشعال المظاهرات، فان ثبت ذلك سيتم التعامل معه بحزم.

أما على الصعيد الإقليمي، من آثار الاحتجاجات، استثمارها سعوديا وإسرائيليا، للضغط على إيران بعد فشل جهودهما في مواجهة طهران خلال السنوات الماضية. كما أنه ليس مستبعدا أن يزداد دعمهم المادي والمعنوي للمعارضة الإيرانية في الخارج خلال الفترة المقبلة، وكما شاع أخيرا، أن جماعات من هذه المعارضة في الخارج، كانت تتنافس فيما بينها في تبني الاحتجاجات للحصول على مزيد من الدعم خارجيا.

وعلى المستوى الدولي أيضا، على الأغلب سيسعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توظيف الاحتجاجات لتحقيق مآرب، منها الداخلية، مثل استخدام ذلك في سياق مهاجمته المستمرة لسياسات الرئيس أوباما في كل شيء بما في ذلك طريقة تعامله مع إيران.

يتناسى ترامب أن الشعب الإيراني الموعود بهذا "الدعم التاريخي"، قد تلقى ذلك من قبل، عبر العقوبات التي فرضتها عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وكذلك بقراره القاضي بحظر سفر جميع الإيرانيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية دون تميز بين المعارض والمؤيد للثورة.
والخارجية منها، أنه أولا، يسعى إلى خلق اجماع عالمي ولاسيما في القارة السمراء ضد إيران، عليه، جاءت الدعوة الأمريكية لجلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، ثانيا، فرض مزيد من العقوبات تحت ذريعة حقوق الانسان، والضغط على إيران في المؤسسات الحقوقية الدولية.

ثالثا، لا يستبعد أن يستغل ترامب هذا الحدث لرفض المصادقة على تمديد رفع العقوبات بموجب الاتفاق النووي في 12 يناير القادم. ما يعني إلغاء الاتفاق النووي نصا، بعد أن التغى روحا.

جملة المواقف التصعيدية الأمريكية بعد انطلاق الاحتجاجات في إيران، بدء من التغريدات اليومية لترامب، ووصولا إلى تأكيد نائبه مايك بنس أنهم لن يصمتوا هذه المرة في إشارة إلى أحداث 2009، توحي أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى تلك الاحتجاجات كهدية وفرصة ثمينة، ستستغلها خلال الفترة القادمة.

ومن آثار الاحتجاجات دوليا، أنها تجرّئ الأمريكيين لتكثيف ضغوطهم الاقتصادية على إيران، وبلورة قناعة لديهم أكثر من قبل، فحواها أن العقوبات تؤتي أكلها وتساهم في مزيد من تردي الاقتصاد الإيراني، لغرض تحريض المواطنين على الحكومة الإيرانية.

شر البلية ما يضحك، وعد الرئيس ترامب بـ"الدعم العظيم" في "الوقت المناسب" للمتظاهرين الإيرانيين، والذي يمثل قمة النفاق الأمريكي.

يتناسى ترامب أن الشعب الإيراني الموعود بهذا "الدعم التاريخي"، قد تلقى ذلك من قبل، عبر العقوبات التي فرضتها عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وكذلك بقراره القاضي بحظر سفر جميع الإيرانيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية دون تميز بين المعارض والمؤيد للثورة.

فهذا الشعب الذي ينوي الرئيس الأمريكي دعمه ويتضامن معه، هو الشعب نفسه الذي وصفه بالإرهابي في أكتوبر الماضي.

حجم التدخلات الأمريكية التي تجاوزت الحدود المعهودة، أثار استياء تركيا قبل إيران، إذ أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومسؤولين آخرين أتراك، عبروا عن قلقهم البالغ حيال ذلك، قناعة منهم بأن بث الفوضى والدمار في إيران، لن يتوقف داخل الحدود الإيرانية، بل يتعداها ولايسلم منها أحد في المنطقة، وأنها ستأكل الأخضر واليابس.

أخيرا، منسوب الاحتجاجات في تراجع مستمر، لأسباب عديدة، أهمها، أنه بالرغم من تأييد أركان النظام الإيراني لمطالب التظاهرات الاقتصادية، إلا أن سرعة انتشارها جغرافيا، ورفع شعارات سياسية مناهضة، واستشراء مظاهر التخريب، ثم حجم التدخل الأمريكي السافر غير المسبوق، ومحاولات المعارضة الإيرانية الخارجية ركوب الموجة، جملة ذلك اثارت قلقا كبيرا لدى السلطات الإيرانية، دفعتها إلى التعامل الأمني القوي والحازم مع حركة الاحتجاجات في الشوارع، مستقوية بمظاهرات أنصار الثورة، والتي تذكر بتلك التي أنهى بها النظام احتجاجات الحركة الخضراء في طهران في 30 ديسمبر 2009.

بعد انحسار الاحتجاجات، تكون قد عبرت إيران هذه المحطة الخطيرة، أما منع تكرارها لاحقا، يتوقف على مدى استعداد السلطات الإيرانية استخلاص العبر والدروس اللازمة، والقيام بمعالجة شاملة لأسبابها، حيث أن انتهاء الاحتجاجات لا يعني انتفاء أسبابها، والتعامل الأمني وحدها، يؤجل المشكلة ولا يحلها نهائيا. كما أن ضياع مطالب المحتجين السلميين في بازار التجاذبات السياسية، من شأنه أن يمهد لموجات مستقبلية، وتدخلات خارجية، أقوى من قبل.

بخش اخبار: 
اصلی

.:: العناوين الأخيرة ::.