رحیل محمد مهدي عاکف الأسطورة والتاريخ الشفوي للإخوان المسلمین

الترجمة: 
إصلاح وب
رحیل محمد مهدي عاکف الأسطورة والتاريخ الشفوي للإخوان المسلمین

سجین کل العصور، شیخ المجاهدین في سجون الانقلاب، أسطورة الجهاد والمقاومة والاستقامة، الشهید الحي، عمر مختار مصر، التاریخ الشفوي المسَلَّم لمصر والإخوان، ناصر الثوار، عدو الاستعمار والاضطهاد، مکافح الطغیان، أسطورة التبلیغ والجهاد، شاهد علی کل العصور... هذه جزء من العناوین التي حظي بها الأستاذ محمد مهدي عاکف الزعیم السابق لجماعة الإخوان المسلمین في شتی المناسبات. ولقد وافته المنیة کسجین سیاسي إثر مرض خطیر في مشفی قصر العیني الفرنسي في القاهرة. هو والإخوان کالتوأمین أعني أن مولده في سنة 1928 في مدینة المنصورة شمالي القاهرة العاصمة تزامن مع السنة التي بدأ الإمام البنا أنشطته الدعائیة في مدینة إسکندریة – ثاني مدن مصر سمعة – وبعد قلیل أعلن بدأ حرکته رسمیا. وتعرف عاکف علی حرکة الإخوان وهو ابن 12 سنة عن طریق الریاضة والتقی بحسن البنا وهو مراهق وتربی عند مشایخ الإخوان.

وفي الخمسینات حینما کان طالبا في کلیة الحقوق تولی قیادة الحركة المناهضة للاستعمار للطلاب وقد کون سرایا طلابیة ضد الاحتلال الإنجليزي وأظهر بسالته في توجيه المجاهدين في قناة السويس ثم تم تعیینه کمسؤول المؤتمرات الدولیة للمنتدى العالمي للشباب الإسلامي في الریاض وقد تولی مهمة تنسیق مخيمات شباب الإخوان في دول الأردن و مالیزیا وبنغلادیش و ترکیا واسترالیا وکینیا وقبرص وألمانیا والإنجلیزیا وأمریکا وحصل علی تجارب عدیدة في الساحة الدولیة وظهر کأحد المؤسسین الرئیسیین لهیلکة الإخوان العالمیة ومن النشطاء الدولیین لهذه المنظمة وفي وقت لاحق تم تعیینه کمدیر المرکز الإسلامي لمیونیخ والتحق بالبرلمان في سنة 1987 مع عدد من رفاقه من جماعة الإخوان المسلمین.

وفي سنة 2004 تم انتخابه کالمرشد السابع للإخوان المسلمین بعد رحیل مأمون الهضیبي وکان أول مرشد للجماعة غير راغب في إعادة الانتخاب وقد انتخب خلیفته محمد بدیع وقت حیاته وحظي بأول مرشد "سابق" حصرا بینما أن جمیع قادة الإخوان تولوا مسؤولیاتهم حتی نهایة حیاتهم. وکان عاکف خزینة لأسرار الإخوان المسلمین ولتأریخ هذه الحرکة وقد رافق الحرکةَ وجمیع قادة الإخوان حوالي 76 سنة من حسن البنا حتی محمود عزت – المرشد الموقت الحالي – وکان عضوا لمکتب الإرشاد حتی نهایة حیاته وقد تفاعل مع سائر الإجیال والرؤي ووجهات نظر الإخوانیین تفاعلا حکیما.

یقال إنه کان المؤسس الثاني للإخوان وأشجع شخصیاتهم. کان عاکف أکبر سجین سیاسي في العالم وقد قضی ثلث عمره في سجون جميع الحكام وقد حکم علیه بالإعدام لعدة مرات في فترات حکم الملک فاروق والسادات ومبارک وأخیرا السیسي وفي عمر یناهز 90 عاما کان یقضی أیامه خلف قضبان السجون مع أن مرض السرطان قد أصاب جمیع جسده وأخیرا توفته المنیة في السجن قبل إکمال فترة إدانته الـ 25 عاما.

وکانت أیام قیادته للإخوان متزامنة مع أحداث جسمیة في غرب آسیا منها التواجد الإمریکي في المنطقة وتفاقم حدة الصراعات الدینیة وحرب الـ 33 یوما وكان لمواقفه الحماسیة والصریحة والشفافة والمناهضة للصهیو إمریکي أثر كبير علی حرکة الإخوان المسلمین في العالم.

لقد أعطی العاکف الکثیر من الاهتمام بقضیة فلسطین بناء علی السیاسة السابقة لحرکة الإخوان المسلمین وکان یعتبر الأنظمة العربیة معرقلة لتدفق ملایین من المتطوعین الجهادیین إلی الأراضي المحتلة ویری الشعوب المسلمة رهینة أنظمتهم.

وقد قال في حوار مع الجریدة الأسبوعیة المصریة "الیوم السابع": "الضوء الأخضر الذي تعطيه بعض الأنظمة العربیة لإسرائیل هو سبب المجازر التي یرتکبها العدو الصهیوني في غزة". وکان یری أن مصر قد خذلت إخوانه الفلسطینین وما هو إلا ثمرة الاسبتداد الداخلي السائد في تلک البلاد لأن هؤلاء الذین أمسکوا بمقالید الحکم قد نسوا مهمتهم أمام الشعب الفلسطیني المجاهد وهکذا یسهم حکام العرب في جرائم العدو الصهیوني.

وكانت مواقفه التقریبیة خاصة ما تتعلق بوحدة الشیعة والسنة معروفة وتذکرنا بوجهات نظر قادة الإخوان السابقین؛ وللرد علی هذا السؤال: هل تجاوز یوسف ندا (مسؤول العلاقات الدولیة للإخوان المسلمین) الخطوط الحمراء في مقالاته؟ أردف قائلا: إن ما کتبه یوسف ندا عن الشیعة هو نفس المفاهیم التي قد تربینا علیها.

وفي مقابلته مع قناة الجزیرة قال: الشیعة والسنة أمة واحدة لأن دینهما واحد وقبلتهما وصلاتهما وحجهما واحد؛ وأضاف: الالتزام بأي من المذاهب السنیة والشیعیة سیقود صاحبه إلی الجنة. وینبغي للمسلم أن یکون علی وعي من دینه وأن لا یفرق بین الذین یؤمنون بالله وحده وبنبیه. وکان یعتبر الصراعات الحاضرة بین الشیعة والسنة نتیجة الجهل والفقر الثقافي مؤکدا: إن الشیعة والسنة قد تعایشا مع بعض أکثر من ألف سنة دون اختلاف وصراع؛ علاوة علی هذا هناک جهود کبیرة منذ العقود الأخیرة للتقریب بین المذاهب الإسلامیة وقد شارک فیها بعض قاداتنا کالشهید حسن البنا.

واعتبر عاکف رد الفعل المناسب لعلماء الشیعة والسنة إزاء التفجیرات الإرهابیة التي ضربت بغداد دلیلا علی وحدة الشیعة والسنة وأردف قائلا: إن أمریکا لا ترید أن نکون متحدین؛ علینا أن نعمل بمسؤولیتنا الدینیة ونسعی لإخراج الأجانب من أراضینا الإسلامیة متوکلین علی الله. وتابع: أولئك الذين تسببوا في انفجارات كربلاء لا یریدن خیر هذه الأمة بل هم المجرمون الذین لا یملکون ذرة إنسانیة وقیمة من القیم البشریة وأصبحوا هویة لإمریکا.

وفي أتون حرب الـ 33 یوما في لبنان أعلن بصوت عال في برمجة مباشرة في أهم القنوات العربیة أنه مستعد لإعزام عشرة آلاف من القوات العسكرية إلی لبنان لدعم حزب الله في حربه مع الاحتلال الصهیوني.

رغم أنني لم اتشرف بزیارته طوال حیاته ولکني اتصلت به مرات عدیدة حینما کنت محرراً في البرنامج الشهیر "مع الحدث" في قناة العالم وتعرفت علی مواقفه الواضحة والصريحة والثورية ولقد قبل طلبي بإجراء مقابلة خاصة مع جریدة "شاهد یاران" – حیث کنت مسؤولاً عنها - حول حرب الـ 33 یوماً وسوف أعید تقدیمھا لاحقاً.

غفر الله له وأسکنه فسیح جناته.

ماوصلت تعليق