مقدمة عن باثولوجیا تدریب طلبة العلوم الدینیة

الترجمة: 
إصلاح وب
مقدمة عن باثولوجیا تدریب طلبة العلوم الدینیة

قضیة حملة العلوم الدینیة والمؤسسات المعنیة بها حیث تحمل علی عاتقها مسؤولیة تدریب الطلبة والتطویر الدین وقیادة الناس، من القضایا التي یأتي الحدیث عنها لعلاقتها بظاهرة الدین ونمط انتشاره في المجتمع؛ في الحقیقة أن دور هؤلاء الحملة والمؤسسات في المجتمع ومدی انتشار القیم الدینیة وکمیة نجاحها أو فشلها بحاجة إلی باثولوجیا والکشف عن أوجه قصورها حتی یتم دراسة أسباب إخفاقها. المقال الحاضر لا یرید إعطاء نظرة شمولیة للقضیة بل یجعلها مقدمة حتی یقوم المعنیون بالنقاش في الجوانبها المطلوبة ویؤدي إلی اتخاذ خطوات من أجل تعدیل الأسالیب القائمة. کما تجدر الإشار إلی أن هذا المقال لا یسعی الاستخفاف بالجهود التي بذلها الدعاة والعلماء والجهات المعنیة؛ ولکني أری أن کل إنسان یمکن أن تکون فیه خلل نظرا لکونه إنسانا. المقال الحاضر یقتصر علی ثلاثة قضایا وهی: استقطاب الطلبة الدینیة في المدارس ومعرفتهم بالعلوم الحدیثة واسقلالیة العلماء والمدارس مالیا.

أبدأ المفهوم بتجربة شخصیة بسیطة التي أدت إلی تحریر هذه السطور؛ الوالد الذي خاب أمله إزاء تعلیم ولده في المدارس العامة قرر أن یوجهه إلی المدارس الدینیة (یذکر أن هذا الطالب کان یجد صعوبة شدیدة في التعلم والقراءة والکتابة) قلت في نفسي إن هذا الشخص إذا دخل المدارس الدینیة فکیف سیکون حاملاً للعلوم الدینیة وأي تجربة سوف یقدمها لنفسه ولمجتمعه کعالم دیني نظرا لقدراته الدراسیة المتدنیة؟ بالطبع أن هذه هي الحالة المتطرفة للقضیة وهناک کثیر من الأسر التي توجه أولادها للتعلم العلوم الدینیة لاهتمامها بالدین والعلم وتمتعها بالحماس والشعور بالمسؤولیة أمام الدین بغض النظر عن قدرات الطالب أو رغبته في دراسة العلوم الدینیة.

إن علماء الدین هم الدوافع الرئیسية للتیارات الدینیة في مجتمعنا وبإمکانهم أن یکونوا روادا للناس إلی التدین والحیاة الدینیة ومن جانب آخر لا یبقی دورهم في مجال الدین فقط لولوج الدین في کافة المجالات الفردیة والاجتماعیة والسیاسیة والاقتصادیة ویمکننا أن نقول إحیانا بعض من الناس یعطون للعلماء نفس القداسة التي یعطونها للدین ویعتبرونهم أبعد من الانتقاد لکونهم حملة العلم النبوي وورثة الأنبیاء؛ وبالنظر إلی مثل هذه العقلیة خاصة في المناطق التي تسود علیها أعراف أکثر تقلیدیة فمن الطبیعي أن تتوقع الأسر أن یتحول أبناءهم نحو دراسة العلوم الدینیة.

في الحقیقة أن الضرر الذي نعني به یرجع إلی نمط استقطاب طلبة العلوم الدینیة بینما في کثیر من التخصصات والمهن یُعتبر الحد الأدنی من الکفاءة والرغبة لاستقطاب التلامیذ؛ ولکن قد لا یهتم الکثیرون بهذه القضیة في عدد من المدارس الدینیة وبین کثیر من الأسر المتدینة. ورغم أنه یؤخذ بعین الاعتبار بعض المعاییر والقواعد لجذب الطلبة ولکن هناک مدارس قد تستقطب الطلبة في أي مستوی من القدرات والمعلومات کانوا؛ فهل یمکن أن یُعطی هذا الأمر الخطیر کل متطوع أي وراثة الأنبیاء والزعامة الدینیة للشعب؟

من القضایا الأخری التي یجب أن یؤخذ بعین الاعتبار هي مدی تعرف الطلبة بالعلوم الحدیثة وبالعصر الذي قد یقوم کثیر من أسسه علی العلوم الحدیثة والتقنیة الجدیدة؛ المجتمعات التي تتواصل جذریة مع هذه الأسس تتزاید فرص نجاحها. قد لاحظنا أن علماءنا ومتدینینا لهم دور المستهلک من المنتجات الحدیثة وربما لیس لدیهم أي معلومات حول ما یجري في هذه المجالات ولا یخطر ببالهم أن یفکروا في القضایا الحدیثة والعصر الجدید أو یتعلموا شیئا لذلک نراهم غیر مهتمین بالمنجزات العلمیة والفلسفیة والکلامیة الحدیثة في حین الیوم لا یکاد تجد شخصا یدارس الشؤون الدینیة ویکون غافلا عن تأثیر المعارف البشریة الأخری علی المعارف الدینیة ولا یهتم بتبادل العلم والتقنیة. هناک نوع من الأحساس بالشبع الزائف بیننا حیث نزعم أننا بتلقي العلوم الدینیة لا نحتاج إلی العلوم الأخری ونعتبرها في الدرجة الثانیة ولا نقیم لها وزنا.

إن کثیرا ممن یدخلون المدارس الدینیة ربما لیس لدیهم أي تجربة في العلوم الحدیثة وبالطبع لا یتعرفون بهذه القضایا في المدارس الدینیة؛ حتی یری البعض بأن هذین الاتجاهین قد یتناقضان مع بعض ویبرز ذلک النقاش القدیم الذي کان ولا یزال بین العلم والدین؛ لذلک نری أن ردة فعل العلماء أمام القضایا الحدیثة إما سلبية أو بعیدة عن المعرفة والفتوی. إن کثیرا منهم غیر قادرین علی بناء الحوار مع إنتاجات البشریة الحدیثة ویخفقون في تحلیل القضایا المستحدثة التي قد برزت في مجال المعرفة الدینیة وأن حوزاتنا ومدارسنا قلما تنخرط بهذه القضایا. فعلی سبیل المثال أن الطالب الذي یدخل الجامعة ویواجه مثل هذه القضایا لیس بإمکانه أن یناقشها مع العلماء ومن ثم تزداد المسافة بینه وبین العلماء یوما بعد یوم.

ومن جانب آخر أن کثیرا من خریجي الحوزات والمدارس الدینیة وخطبائنا غیر قادرین علی تبیین الدین بللغة المعاصرة لأنها یتطلب الإلمام بالعلوم الحدیثة والعصر الجدید. ولأنهم کثیرا ما ینخرطون في القضایا التي تأصلت في المجتمعات التقلیدیة ویردون علی الأسئلة بنفس الرؤي التقلیدیة فلا یشعرون بحاجة إلی دراسة هذه العلوم والتفاعل معها. القضیة الأخری التي تتعلق بحملة العلوم الدینیة وبحاجة إلی باثولوجیا هي قضیة تمویل المدارس والعلماء أي اعتماد العلماء والحوزات علی الشعب اقتصادیا؛ الیوم لا یمکن تجاهل الجانب الاقتصادي في مجال العلوم الدینیة أو التغطیة علی الوضع المعیشي للعلماء.

إن معظم مدارسنا الدینیة قد تنخرط في مشکلة تلبیة تکالیف الطلبة والأساتذة لأن معظمها یتم تمویلها عبر التبرعات والمنح وهذا یشوه الاستقلال المالي للمدارس والعلماء ویجعلهم متکلین علی غیرهم وعلاوة علی هذا قد یسيء بسمعة العلماء بین الناس ویحول دون التطور العلمي للحوزات. إن الأضرار التي نعني بها یمکن إیجازها کما یلي:

1- استقطاب الطلبة بغض النظر عن مواهبهم وقدراتهم لدراسة العلوم الدینیة.

2- عدم الإلمام بالعلوم الحدیثة واللامبالاة بها بینما هي طریق تعرفهم علی العصر الجدید والقضایا المستحدثة في العالم المعاصر.

3- عدم استقلالیة العلماء والمدارس واتکالهم علی التبرعات.

هذا من واقع مجتمعنا الدیني وهؤلاء الذین یتعین علیهم أن یکونوا روادنا في مواجهة التطورات الفکریة والعلمیة للعالم الحدیث، هم لا یزالون عالقین في مشاکلهم ولا یعیشون في العالم الحدیث ولا یألفون عصرهم والتطورات التي حدثت فیها خلال بضع مئات من السنین حتی یکون بإمکانهم أن یقودونا نحو الحیاة الدینیة. علی الرغم من أننا قد نکتفي بمنصب کإمامة الجماعة أو الإجابة عن أسئلتنا الدینیة في الشؤون الأسریة أو العبادیة ولکن الجیل القادم والمجتمعات الحدیثة لا یتوقفون عند ذلک الحد لذلک إن کنا معنیین بالحیاة الدینیة ودفع المجتمع نحو القیم الدینیة فعلینا أن نستدرک الأضرار القائمة في هذا المجال.

الحقیقة التي ربما تکون صعبا علی الکثیرین هي نحن تعودنا أن نضع العلماء بمکان من المستحیل نقدهم أو نغطي علی کثیر من المشاکل؛ کأن سبب عدم تطبیق القیم الدینیة في المجتمع یرجع إلی الأتباع دون العلماء والمنظمات الدینیة، إن التجربة قد أثبتت أن الجلوس أمام المنابر واستماع بعض الخطب قد یعصب جدا إذا لم یکن لدیهم شيء جدید لیقولوه خلال الأیام أو الأسابیع أو ربما لم یوجد هناک أي حسن في التعبیر أو النبرة حتی یستدرک المفهوم أو أن الظروف المعیشیة القاسیة قد تحیدهم عن المسار أو لا یتطرقون بالمشاکل الحقیقیة والمعاصرة؛ فیجب أن نعفي هؤلاء الشباب لانعدام علاقتهم بالدین أو الأنظمة الدینیة کما یستحق. لیس التعلل في القبول الدین والإسراع في المغادرة نتیجة الإهمال واتباع الهوی وغلبة النزعات المادیة ومرض القلب ربما یجب أن نعترف: إذا کان الدرس ملیئا بالمحبة فالطفل المهرب لیأتي المدرسة حتی یوم الجمعة[العطلة].

ماوصلت تعليق

.:: العناوين الأخيرة ::.