المرأة والديمقراطية: دراسة في الفقه والفكر السياسي الإسلامي

المرأة والديمقراطية: دراسة في الفقه والفكر السياسي الإسلامي

المتحررات يشهدن أن الإسـلام هـو دين الإصلاح -1 

يخص فضيلة الشيخ الأســــتاذ د.علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث والحـائـز على جائـــزة الدولة، والخبير بالمجامع الفقهية، الوطن بعدد من الكتب والدراسات والأبحاث العلمية التي عكف عليها خلال الفترة الماضية ليكون قارئ الوطن أول من يطالعها ويستفيد منها.. وأول هذه الكتب هو هذا الكتاب:(قضايا المرأة والديمقراطية: دراسة في الفقه والفكر السياسي الإسلامي).. وفيه يتناول فضيلته عددا من القضايا الكبرى التي تخص المرأة مثل: المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.. ومساواة المرأة بالرجل في الحقوق السياسية الشاملة وتولى المرأة الوظائف السياسية العامة رئاسة الدولة، أو البرلمان، ورئاسة مجلس الوزراء، والوزارة والقضاء ونحوها.. وحق المرأة في الانتخاب والترشيح للبرلمان.. وسوف يصل في نهاية دراسته هذه إلى نتائج مهمة توصل إليها فضيلته.. وفي ما يلي الحلقة الأولى:

المراد بعنوان البحث

معظم كلمات العنوان واضحة، لكننا نلقي بعض الأضواء على بعض المصطلحات الواردة في العنوان، أو التي لها علاقة بالموضوع، وهي:

1 - الديمقراطية: كلمة إغريقية الأصل معناها حكم الشعب، أي أن يكون الحكم للشعب وليس للفرد، وفي العصر الحديث قال الرئيس الأميركي لنكولن: إنها حكم الشعب بالشعب وللشعب، فالأمة في نظر الديمقراطية هي مصدر السلطات وإرادتها.

ودون الخوض في أسس الديمقراطية العقدية الأيديولوجية فإن المقصود بها اليوم في عالمنا الإسلامي والعربي هو آلياتها وجوانبها التطبيقية المتمثلة في الفصل بين السلطات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وفي شرعية التعددية السياسية، ووصول الحاكم إلى الحكم عن طريق الانتخابات، وفي المساواة في الحقوق والحريات العامة.

وأما حكم الشعب للشعب فإن كان الشعب مسلماً فلا يمكن أن يحكم بما يتعارض مع ثوابت الإسلام، في حين أن له الحق من خلال علمائه الاجتهاد في ما سواها.

والذي يتعلق ببحثنا هنا هو مسألة المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات، مع أن هذه المساواة بين الرجل والمرأة أو حتى بين المواطنين لم تكن موجودة في النظم القديمة، الرومان، واليونان التي ابتدعت الديمقراطية، وإنما ظهرت في العصر الحديث من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948م، وهذه المساواة بين الرجل والمرأة تشمل ما يأتي:

1 - المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.

2 - مساواة المرأة بالرجل في الحقوق السياسية الشاملة لما يأتي:

أ- تولي المرأة الوظائف السياسية العامة رئاسة الدولة، أو البرلمان، ورئاسة مجلس الوزراء، والوزارة والقضاء ونحوها.

ب- حق المرأة في الانتخاب والترشيح للبرلمان.

فهذه المسائل هي التي نلقي بعض الأضواء عليها في ظل ما تسمح به طبيعة البحث.

ولكن بعد بيان نبذة تأريخية لحقوق المرأة السياسية والفتاوى المتعارضة، ثم بيان منهجية دقيقة في بحث هذا الموضوع.

2 - السياسة: هي لغة من ساس يسوس سياسة، ولها معان كثيرة، فيقال: ساس الناس أي تولى رياستهم وساس الفرس أي قام بأمرها، فروضا وهيأها، وساس الأمور أي دبرها، وساس الرعية أي أمرهم ونهاهم، وساس الطعام أي أكله دود السوس.

ولو نظرنا إلى المعاني اللغوية للفظ السياسة ومشتقاتها لوجدناها تستوعب كل أنواع السياسات الحكيمة الرشيدة، والظالمة والعنيفة، والتي تقوم بترويض الشعوب، وكذلك التي بمثابة دودة السوس التي تنخر في عظام الشعب المحكوم فتدمره في قواه وفي إبداعاته، ومقوماته.

الخلافة والاستخلاف

تكرر لفظ الخليفة في القرآن الكريم مرات منها قوله تعالى في بيان رسالة آدم ووظيفته في الأرض: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، أي يخلف في الأرض لتحقيق أهداف معينة، ومقاصد حددها القرآن الكريم، وهي:

أ‌- العبودية لله تعالى، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).. تعمير الكون على ضوء منهج الله تعالى القائم على الفلاح والإصلاح دون الفساد والإفساد، فقال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا).

وقد ارتبطت فكرة الخلافة في الفقه السياسي بالفترة الراشدة التي حكم فيها الخلفاء الأربعة، بناء على الحديث الذي ورد.

وهذا المصطلح الخلافة بهذا المعني الخاص لم يرد في القرآن الكريم، بل إن الصحابة أطلقوه على أبي بكر باعتباره خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم لما جاء عمر استصعب خليفة خليفة......

نبذة تأريخية- بإيجاز شديد- لحقوق المرأة السياسية:

لم تكن للمرأة حقوقها المدنية والاجتماعية- ناهيك عن الحقوق السياسية- في ظل الحضارات السابقة على الإسلام، حتى لم تكن لها الأهلية في ظل القانون الروماني، وأن بعض الحضارات تنظر إليها باعتبارها شراً لا بدّ منها، وفي العصر الجاهلي كان الوأد نصيب كثيرات منهنّ، وفي معظم الحضارات القديمة كن كالمتاع تورث- كما هو معروف.

وحينما جاء الإسلام نظر إلى المرأة نظرة أخرى فأعطى لها كرامتها الكاملة وإنسانيتها، وأصّل هذا المبدأ من خلال أن أصلها مع الرجل واحد أنتم بنو آدم وآدم من تراب ثم مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ أي مخلوطة من ماء الرجل الذي يحمل 23 كرموسوماً ومن البيضة التي تحمل أيضاً 23 كرموسوماً، وأن جميع الآيات الخاصة بكرامة بني آدم والإنسان وبالثواب والجزاء، والحقوق والواجبات تشمل الطرفين، ومع ذلك أكد ذلك من خلال قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وهذه الدرجة هي درجة إدارة البيت وتسيير سفينة الحياة بالتشاور والتراضي والمحبة والسكينة نحو برّ الأمان، وقوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ).

بل إن القرآن الكريم نفى نفياً قاطعاً أن تكون المرأة الأولى حواء هي السبب في خروج آدم من الجنة، وبالتالي المصائب التي حلت ببني آدم، وتحميلها المسؤولية، كما كان السائد لدى جميع الأديان السابقة، حيث بينت الآيات بأن الأمر بعدم القرب عن الشجرة كان شاملاً لآدم وحواء فقال تعالى: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) وأنهما معاً اغترا بالشيطان فقال تعالى: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) وأنهما معاً ارتكبا المخالفة فقال تعالى: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ) وأنهما معاً: (بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ).. كما أنهما تساويا في زجر الله لهما فقال تعالى: (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ).. وأنهما معاً اعترفا بذنوبهما وتابا إلى الله تعالى: (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).. بل إن بعض الآيات تسند العصيان والمسؤولية إلى آدم فقال تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى).

كما أن الآيات القرآنية تدل على مساواة الرجل والمرأة في الأجر والثواب، والعقاب فقال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً).

وقد ألغى الإسلام كل العادات والتقاليد التي تتنافى مع كرامة المرأة وإنسانيتها، ولا يسع المجال لذكرها، حيث شهد بذلك كل المنصفين من الرجال والنساء من المسلمين وغيرهم فقد شهدت كثير من النساء حتى صاحبات الفكر التحرري بأن الإسلام هو دين الإصلاح الذي جاء لردّ الظلم عن المظلومين ولذلك كان لكون خديجة أول من أسلمت، ولدور سمية وغيرها من الجواري اللاتي أسلمن، ولدور أسماء بنت أبي بكر الصحابية الجليلة الثائرة السياسية المناضلة دلالات عظيمة تقول توجان فيصل: (حقوق المرأة في الإسلام كما في أحكامه الأخرى أحدثت النقلة السياسية والاجتماعية التي تفرق عهد الإسلام عما سبقه.... وفي إلغاء التمييز وصولاً إلى حالة قادرة على الاستمرار.. إن هذا النهج الإصلاحي هو ما يجعل الإسلام ديناً صالحاً لكل زمان ومكان).. وفي عصرنا الحاضر تأخرت الدول المتقدمة اليوم في الاعتراف بحقوق المرأة السياسية بصورة عامة، فلم يعترف لها بهذه الحقوق السياسية في أميركا إلاّ في عام 1920م وفي بريطانيا عام 1928، وفي فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، مع أن المرأة نصف المجتمع، وهو الشق الثاني الوحيد المكمل للمجتمع الإنساني، ونصف القوى البشرية لأي مجتمع، وهي التي تتحمل مسؤولية بناء الرجال وتربية الأبطال، ولها النصيب الأكبر من المتاعب والمشاكل، والتشرد والفقر واللجوء.

وأمام هذه الواجبات فإن دورها السياسي لايزال في العالم أجمع أقل بكثير من أدوارها الأخرى، حيث تشير الإحصاءات إلى أن حجم تمثيل المرأة في البرلمانات العربية يتراوح بين 1 % إلى 4 % ففي مجلس الشعب المصري السابق فإن حجم مشاركة المرأة فيه في حدود 2.2 %، وحتى في العالم الغربي المتقدم فإن حجم تمثيل المرأة في مجلس العموم البريطاني 18.2 % وفي الجمعية العمومية لفرنسا بلد النور والتحرر كما يقولون 6 %، وفي الدول الآسيوية تصل إلى 19 % وفي أميركا اللاتينية 10 %.

ومن الجانب السياسي التطبيقي الخاص بالرئاسة فإن معظم الحضارات السابقة كالحضارة الرومانية، والحضارة اليونانية والحضارة الصينية عجزت أن تقدم امرأة واحدة لقيادة امبراطوريتها على مرّ تاريخها الطويل، بل إن أميركا منذ نشأتها إلى الآن لم تصبح امرأة واحدة فيها رئيسة لها.

ولكن حقوق المرأة السياسية قد طرحت في القرن العشرين من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث بدأ العمل في التوسع في دراسة الحقوق والحريات المعلقة وتدوينها في شكل قانون ملزم، ونتج عن هذه العملية بروز وثائق مهمة ولها صلة مباشرة بوضع حقوق المرأة ولا سيما في المجال السياسي كالاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة سنة 1952م والاتفاقية الخاصة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي أقرت عام 1979 وبدأ تنفيذها عام 1981 والأهم في هذه الاتفاقية أنها حددت وبشكل دقيق المجالات العالمية لهذه الحقوق وذلك من خلال ما نصت عليه المادتان من هذه الاتفاقية من ضرورة وكفالة المساواة مع الرجل في:

1 - التصويت في جميع الانتخابات.

2 - الأهلية للترشيح.

3 - المشاركة في صياغة السياسات وتنفيذها.

4 - شغل الوظائف العامة على جميع المستويات الحكومية.

5- المشاركة في منظمات وجمعيات غير حكومية.

6- تمثيل الحكومة في المستوى الدولي.

7- المشاركة في المنظمات الدولية.

ولكن أبرز سمات هذه الاتفاقية تأكيدها الصريح على الهدف المتمثل في تحقيق المساواة الفعلية إلى جانب المساواة القانونية، وهو ما انعكس على عدد من المواثيق والإعلانات الدولية الأخرى، وآخرها العمل الصادر عن مؤتمر المرأة العالمي الرابع الذي انعقد في بكين عام 1995.

العلمانيــون أرادوا القضـــــــــــاء على الأســــــــــرة - 2 

إشكاليات كبيرة أدت إلى ردّ فعل غير متوازن في بعض الفكر الإسلامي المعاصر.

في قضية المرأة حدثت إشكاليات كبيرة كان لها تأثير في الفكر الإسلامي القديم والمعاصر:

أولاً: خلط التقاليد والأعراف بالدين في مجال المرأة بشكل كبير، وكان لهيمنة الرجال دور كبير.

ثانياً: مسألة سدّ الذرائع التي حجزت عن المرأة تسعة أعشار حقوقها.

ثالثاً: أن الدفاع عن حقوق المرأة جاء في البداية على أيدي العلمانيين ومن يسمونهم بالمتنورين بالحضارة الغربية.

رابعاً: أن المستعمرين حاولوا ولا يزالون يحاولون استغلال موضوع المرأة لتحقيق مآربهم في الإفساد وخلخلة النظام السياسي والاجتماعي للهيمنة والاستكبار.

خامساً: أن الدعوات الغربية والعلمانية كانت معاكسة تماماً للتوجه الإسلامي حيث أرادت الإباحية وثقافة الجنس والقضاء على الأسرة كما ظهر ذلك جلياً في المؤتمرات الدولية للنساء في القاهرة، وفي بكين، كما ظهر في كتابات كثيرة ووسائل الإعلام حيث نستطيع القول بأنه لا توجد قضية أثير حولها من المسائل مثل قضية المرأة.

سادساً: إفراط الحركات النسوية في حقوق المرأة حتى فضلت المرأة على الرجال، ورفع شعارات معادية للرجل مثل الحرب من أجل عالم بلا رجال.

سابعاً: ارتباط بعض دوائر اتحادات النساء في القرنين 19 و20، والمدافعين عن حقوقها بالدوائر الاستعمارية.

ثامناً: الهجوم على الإسلام بصورة عامة، وبعض الأحاديث الخاصة بالمرأة مثل الحديث الذي يتحدث عن نقص عقل المرأة، وأنها خلقت من ضلع أعوج.

ردّ الفعل الإسلامي

أما النقاط السابقة كان لبعض الإسلاميين رد فعل عنيف حتى وصل بهم الأمر إلى التقليل من شأن المرأة، ومنهم قائم على الدفاع عن كل ما هو موجود في التراث، والتبرير لما حدث، والتعليل لذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وساعد على ذلك وجود مناهج متشددة حول المرأة، ومدارس مدعومة أيضاً من دول، ومستقوية بالتقاليد معها، ولكن المفروض بل المطلوب هو أن لا ندافع إلاّ عن الحق، وأن تكون نظرتنا إلى تراثنا العظيم نظرة غربلة فإفادة واستفادة، ونظرة اختبار واختيار وانتقاء دون تقديس ولا استقصاء، وبالتالي العودة إلى الينابيع الأصيلة لهذا الدين المتمثلة في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة المطهرة، ثم الاستفادة من كل قديم صالح، ومن كل جديد نافع، وأن الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنى وجدها، وذلك من خلال منهجية جامعة بين النصوص الشرعية كلها، والنظرة إليها نظرة شمولية قائمة على مقاصد الشريعة ومبادئها العامة التي أصلت المساواة بين جميع البشر من الأصل كلهم من آدم وآدم من تراب وكلهم خلقهم الله تعالى من ذكر وأنثى، وكلهم مخلوقون لتحقيق العبودية والاستخلاف كل بقدره، كما يتضح ذلك فيما بعد.. وأن الطريقة الصحيحة لهذا المنهج هو عدم التأثر بما يقال ويثار في الخارج، وعدم التأثر بالموروث ما دام ليس نصاً ثابتاً، ولا بالشروح والتفسيرات للنصوص ما دامت هذه التفسيرات غير منصوص عليها، وما دامت النصوص تحتمل غيرها.

حقــوق المرأة السياسية في الدساتير العربية:

1 - دول ليست لها دساتير أو قوانين تنظم وتفسر الحقوق السياسية للمواطنين وهو ما يشمل الرجل والمرأة.

2 - دول أصدرت دساتير لكن لم تنص أحكامه على منح المرأة حق المشاركة السياسية مثل الكويت والإمارات وقد تم تعديل دستور الكويت أخيراً فأعطى هذا الحق للمرأة بضوابط الشريعة الغراء.

3 - دول عربية لها دساتير وقوانين تنص بوضوح على حق المرأة المشاركة السياسية (تونس، مصر، سوريا، العراق، الأردن، المغرب، لبنان، اليمن، البحرين، قطر) وغيرها فمن الملاحظ هنا أن التعامل مع الحقوق السياسية للمرأة في المجتمعات العربية ظل مرتهناً في بعض المجتمعات بعوامل متشابكة منها ما هو متصل بالموروث الثقافي والتقاليد، وتأويل النصوص الدينية.

وإن أهم المعوقات أمام تفعيل دور المرأة في الحياة العامة:

1 - الموروثات التاريخية المأخوذة من التقاليد وليست من الدين الحنيف والتي حصرت دور المرأة في أدوار محددة.

2 - مشكلة الأمية التي تلعب دوراً خطيراً وعائقاً لحركة المرأة في نشاطها الوطني والديمقراطي، من حيث إن الأمية هي النقيض لما يريده الإسلام منذ نزول أول سورة من دستوره القرآن الكريم التي تقول: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ..)، والأمية لا يمكن حصرها فقط في معرفة الكتابة والقراءة ومعرفة المرأة حقوقها التشريعية والقانونية والسياسية فإن كل هذا يصبح هباء إذا كانت الأمية هي الأساس الذي يتحكم ويقنن نشاط المرأة في المجتمع.

3- الفجوة الكبيرة بين نصوص الدستور والقوانين المنظمة للعمل بالمساواة الممكنة بين الرجل والمرأة وبين تطبيقها على الأمر الواقع وبالتالي فقد أدى واقع المرأة إلى ابتعاد عن مجالات صنع القرار وإلى ضعف مشاركتها السياسية.

قضية المرأة والسياسة الاستعمارية والمحلية

حاولت الدول المستعمرة والطامعة في خيرات البلاد الإسلامية استغلال قضية المرأة بشكل خطير، فأنشأت بعض الاتحادات والمنتديات الخاصة بالنساء، وحاولت اختراق البعض الآخر، ويكفي للإشارة إلى ذلك أنه عند غليان الشعب المصري ضد الاحتلال الإنجليزي كانت هدى شعرواي التي أسست جمعية الاتحاد النسائي عام 1923 تنادي بأن التحرير من الاستعمار لا بدّ أن يسبقه تحرير المرأة، وكما أن صفية زغلول قادت مظاهرة نسائية أمام ثكنات الجيش الإنجليزي سنة 1919م بميدان التحرير يهتفن ضده وأثناء ذلك خلعت حجابها أمام المتظاهرات ضد الإنجليز وداسته برجليها، وتبعتها الأخريات، ونسين القضية الأساسية، وكانت درية شفيق التي انتحرت عام 1975 وأنشأت اتحاد بنت النيل في عام 1939م لها علاقة قوية بسفارة بريطانيا وأميركا في مصر، وكانت تدعو إلى الاقتداء بالمرأة الإنجليزية المتحررة.

ولذلك وقف المصلحون، والأحزاب الوطنية، مثل الحزب الوطني المصري برئاسة مصطفى كامل ضد هذه الدعوات وذلك أن وراءها أصابع استعمارية تهدف إلى إلهاء الأمة عن مصيرها.

ومن الجانب الداخلي استغلت قادة الانقلابات العسكرية العربية في فترة الخمسينيات هذه المسألة، من خلال تبني أيدولجية الشيوعية، أو الاشتراكية التي لا تعترف أساساً بمثل هذه القضايا الدينية، وتدعو إلى الإباحية المطلقة، وذلك لإبعاد الدين عن الحياة، حتى كانت المظاهرات الشيوعية في العراق بعد انقلاب عبدالكريم قاسم تدعو جهاراً نهاراً إلى إبعاد الدين عن الحياة، وعدم الاعتراف بالنكاح والمهور والقيود والعقود.

وفي عهد الاحتلال والهيمنة الجديدة ظهر الاهتمام الكبير بقضية المرأة من قبل الإدارة الأميركية برئاسة بوش التي وضعت الإصلاح السياسي والديمقراطي والتعليمي في طليعة أولوياتها حسب الخطابات الرسمية للرئيس الأميركي جورج بوش، وبدأت الضغوط السياسية تأخذ مجراها في هذا المجال.

وفي مصر فجرّ كتاب تحرير المرأة في عام 1908م لقاسم أمين قضايا المرأة ففتح أبوابها على مصراعيها، فطالبت منيرة ثابت عام 1919م بالحق السياسي للمرأة وشاركتها هدى شعراوي، ودرية شفيق، فطالبن بحق الترشيح والانتخاب وعضوية البرلمان للمرأة، ثم أيد ذلك الاتحاد النسائي المصري حيث جاء في نظامه الأساس (تعديل قانون الانتخاب بإشراك النساء مع الرجال في حق الانتخاب).

بل سعت المرأة المصرية لإنشاء أحزاب سياسية، فطالبت فاطمة نعمت راشد ودرية شفيق بإنشاء حزب سياسي ونجحت درية في إنشاء حزب بنت النيل.

وأدت محاولات النساء إلى إقناع بعض الكتاب والبرلمانيين إلى المطالبة بهذا الحق لهنّ حيث قدم في عام 1946 اقتراح إلى مجلس الشيوخ المصري يطالب بمنح المرأة حق الانتخاب بل قدم مشروع قانون بذلك إليه في عام 1947م و1948م، وأثناء ذلك صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها المنعقدة بباريس في 10- 12- 1948 وفي المؤتمر النسائي الذي عقد بالقاهرة في 19- 4- 1951 وقفت المرأة موقفاً عدائياً فارتفع صوت الشاعرة روحية القلليني بتحذير الرجال فقالت:

أمامكم ترون هدوء وجه

ولكن القلوب تكنّ ناراً

فما يثني عزائمنا وعيدٌ

فنار قلوبنا ازدادت أواراً

حيث خرجت النساء متظاهرات يطالبن بتقرير الحرية والمساواة في كل الحقوق والأجور، وتكررت هذه المظاهرة في 12- 3- 1954 فنتج عن ذلك دستور 1956 الذي أعطى الانتخاب حقاً للمصريين جميعاً ذكوراً وإناثاً.

وكان في مقابل الدعوات (التي خلطت بين الحق والباطل وركزت على السفور والتغريب) دعوات معتدلة من النساء الملتزمات إضافة إلى المفكرين المصلحين أمثال محمد عبده، ورفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، وكان محمد علي باشا نفسه يرى أهمية تعليم البنات، فأنشأ مدارس لتعليم البنات عام 1832م مع منتهى الالتزام بآداب الإسلام وضوابطه، فمثلاً حينما افتتحت أول مدرسة ثانوية للبنات في القاهرة (مدرسة السنية) كانت هيئة التدريس نسوية خالصة فيما عدا مدرس اللغة العربية لتعذر وجود مدرسات للغة العربية، ومع ذلك كان يختار من الرجال المتزوجين الكبار المشهود لهم بالصلاح، وكانت الفتيات يحضرن إلى المدرسة في سيارات مغطاة بالستائر، ويعدن إلى البيوت بالوسيلة نفسها، أو يأتي وليّ الأمر مع موليته.

الفتاوى المتعارضة ودور الزمن فيها

كان علماؤنا في العصور الخيرة القرون الثلاثة الأُول لا يكتفون ببيان الأحكام الشرعية لمستجدات عصرهم فحسب، بل كانوا يستشرفون المستقبل من خلال وضع الحلول الشرعية لما كانت تجول في أفكارهم من مسائل مستقبلية احتمالية اشتهر بها علماء العراق الأحناف حتى سموا «أريتيّة» أي أرأيت إن كان كذا، وبعبارة أخرى استحضار الاحتمالات المستقبلية من خلال الحصر العقلي لها، ثم بيان الحكم الشرعي لكل حالة محتملة حيث قالوا: أرأيت لو أن امرأة من المغرب تزوجها رجل من المشرق عند الغروب، ثم مات عند الشروق، ثم تبين أنها حامل فولدت بعد ستة أشهر من هذا العقد؟ قالوا: إن الحمل يثبت منه بالفراش لاحتمال أنه طار بالليل إليها، ثم عاد فمات، وهكذا.

الإسلام منح المرأة جميـع حقوقهـا-3 

وإضافة إلى ذلك فكان الزمن له دوره في التأثير في الفتاوى الاجتهادية، حتى عقد الإمام ابن القيم فصلاً مهماً من كتابه القيم أعلام الموقعين عن ربّ العالمين خصصه لتغيير الفتاوى بتغيير الأزمنة والأمكنة، والأحوال والنيات والعوائد، وقال: هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الجد إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أتمّ دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، حاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحنه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.

ومن هذا الباب كثير من الفتاوى الصادرة المتعارضة في الظاهر من علمائنا الأعلام، حيث نجد لهم جميعاً آراء متنوعة، وروايات مختلفة وأقوالاً متعارضة في الظاهر، فهذا الإمام الشافعي حينما دخل مصر أعاد النظر في جميع ما كتبه، حتى يقول تلامذته إنه أعاد كتابة كل ما كتبه قبل دخوله مصر إلاّ كتاب الصداق، فظهرت له أقوال جديدة في مقابل أقواله القديمة.

ولكن معظم العلماء في العصور المتأخرة لم يستفيدوا من هذه القدوة المباركة، فصدرت منهم فتاوى متعجلة في عصرنا الحاضر بمنع البنات من التعليم الابتدائي والثانوي، ثم التعليم الجامعي، ثم لما صار ذلك أمراً واقعاً صدرت الفتاوى بجوازه، وكان المفروض أن تصدر الفتاوى منذ البداية بحل ما هو حلال مع وضع الضوابط الشرعية المطلوبة.

وهذا ما نراه أيضاً في مسألة المشاركة السياسية للمرأة، حيث وقف بقوة وعزم معظم الفقهاء ضد ذلك في بداية الأمر، ثم بدأت الفتاوى تترى فتجيز ذلك.

فقد كانت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف برئاسة رئيسها الشيخ محمد عبدالفتاح العناني رحمه الله، قد أصدر فتوى مطولة في رمضان 1371هـ الموافق 1952م بشأن: «حكم الشريعة الإسلامية في اشتراك المرأة في الانتخاب للبرلمان» بدأت بتمهيد جيد وذكر فيها: إن طبيعة الاجتماع تقضي باختلاف الآراء وتشعب الأفكار.. ثم انتهى بعد مناقشات وأدلة مستفيضة إلى أن المشاركة السياسية للمرأة بأن تكون عضواً في البرلمان، وأن تشترك في انتخاب من يكون عضواً فيه من الولاية العامة، لأن البرلمان هو المختص بولاية سنّ القوانين، وبالتالي فلا يجوز للمرأة كلا الأمرين السابقين استناداً إلى الحديث الصحيح المعروف الذي رواه البخاري، وأحمد والنسائي والترمذي بسندهم عن أبي بكرة قال: «لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارس ملكوا ابنة كسرى فقال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم لامرأة، فقالت الفتوى: ولا شك أن النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة في أي عصر من العصور أن تتولى أي شيء من الولايات العامة.....».

ثم تغيرت الفتاوى في الأزهر الشريف، وفي العالم الإسلامي اليوم نحو الإجازة، حيث يتجه معظم علماء المسلمين، والحركات الإسلامية إلى جواز المشاركة السياسية للمرأة بكونها عضواً في البرلمان، أو منتخبة لأعضاء البرلمان بضوابط شرعية.

وكان من أواخر المعارك السياسية والفقهية حول المشاركة السياسية للمرأة ما حدث في الكويت، حيث كانت المادة الأولى من قانون رقم 35 في 1962م تقصر حق الانتخاب على الذكور ممن بلغوا سنّ 21 سنة دون الإناث، وكان هذا التوجه مؤيداً بفتوى لجنة الإفتاء التابعة لوزارة الأوقاف الكويتية، وبتوجيه معظم الإسلاميين، والتوجه القبلي في البرلمان، ثم صدر مرسوم أميري في عام 1999م بإعطاء المرأة الكويتية حق الانتخاب والترشيح، ولكن البرلمان رفضه بالأغلبية، ودامت المعركة فأشغلت معظم ساحات المجتمع إلى أن حسمت في البرلمان نفسه في أواخر عام 2005م لصالح مشاركة المرأة في الانتخاب والترشيح مع اشتراط التزامها بآداب الشريعة، وتأييد التوجه الأخير أيضاً بفتاوى من الفقهاء داخل الكويت وخارجها.

وهذا التعارض الواضح في الفتاوى- مهما حاولنا تبريرها- فإنما يدل على أنها لم تدرس دراسة عميقة، بل كانت متأثرة بالظروف والتقاليد، ولذلك حينما تغيرت، تغيرت الفتوى، كما أنها تدل على أن مثل هذه الفتاوى لم تكن قائدة، بل كانت تابعة، وكان المفروض أن تكون الأولى وليست الثانية.

نحو منهجية دقيقة في بحث هذا الموضوع

وإذا نظرنا إلى التأريخ الإنساني وتجاربه نرى أن أكبر المشاكل والمصائب تكمن بين طرفي الأمر: الإفراط والتفريط، فإما أن يفتح الباب على مصراعيه دون قيود ولا ضوابط فيؤدي ذلك إلى الفوضى الشاملة، أو يغلق الباب غلقاً محكماً، ويسدّ بالمسمار لمنع أي تسرب حتى للهواء الطلق، فيفسد ما في داخله.

ومن جانب آخر فإن الإفراط، أو التفريط نفسه إنما يحدث لدى التحقيق وفي معظم الأحيان بسبب النظرة الأحادية إلى الشيء، والانحسار في دائرة واحدة أو زاوية واحد أو حتى مجموعة من الزوايا، ولكن دون نظرة شمولية جامعة تحيط بذات الشيء وواقعه ومقاصده، ووسائله، وبما يترتب عليه من نتائج أو ما يسمى بفقه الواقع، وفقه المآلات، وسد الذرائع.

ونحن نحاول في هذه المسألة الخطيرة أن نطبق هذه المنهجية القائمة على النظرة الشمولية الجامعة على ضوء النقاط الآتية:

أولاً ـ المرأة باعتبار إنسانيتها، وحقوقها الإنسانية مساوية للرجل تماماً، فهي مُكَرَّمّةٌ مثل الرجل وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ولفظ بني آدم يشمل الذكور والإناث بالإجماع، فلا يجوز التقليل من شأنها، ولا التمييز بينها وبين الرجل في كرامتها، والحفاظ على حقوقها، وأمام القضاء، وفي حريتها الفكرية والدينية والتعبدية، وحتى إنها تزيد على الرجل في أنها لا يجوز قتلها في ساحات القتال، ولا بسبب ردتها عند الحنفية حيث تحبس.

وكذلك فهي مساوية للرجل في أهليتها المالية الكاملة وجوباً وأداءً التي لم تصل إليها التشريعات والقوانين إلاّ في القرن العشرين، بل حتى في أهليتها الشخصية حيث لها القدرة على تزويج نفسها وغيرها عند جماعة من الفقهاء قديماً وحديثاً.

فالمرأة في الإسلام ليست تابعة لا في دينها ولا في نسبها، ولا في أهليتها وأموالها لأحد، حتى ولا لزوجها- كما هو الحال الآن في الغرب- بل هي الجزء المكمل للحياة الإنسانية، ولذلك سماها الله تعالى مع الرجل: الزوج، والزوج يتكون من عددين متساويين، لها الحرية الكاملة مثل الرجل في فكرها، وإرادتها، واختياراتها.

ولكن الحرية في الإسلام ليست مطلقة لا للرجل ولا للمرأة، بل منضبطة بضوابط القيم العليا والأخلاق الفاضلة.

فهذه المساواة هي التي منحها الإسلام دون مطالبة من اتحاد نسائي أو مظاهرات في الوقت الذي كانت المرأة ينظر إليها باعتبارها شراً لا بدّ منه، أو متاعاً يورث، فقال تعالى: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر وصية له: ألا واستوصوا بالنساء خيراً........».

ثانياً: هل المرأة مثل الرجل في كل شيء؟

الجواب الطبيعي والواقعي الذي لا يختلف فيه اثنان هو أنه: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ولا الأنثى كالذكر.

هذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد لا عقلاً ولا طبعاً كياناً وخِلقَة، ولا من حيث وظائف الأعضاء الفسيولوجي من النواحي الآتية:

1 - الرجل يتكون عند الخِلقة من Y+X في حين أن المرأة تتكون من X+X

2 - الاختلاف على مستوى الخلايا، فالحيوان المنوي له رأس مدبب، وعليه قلنسوة مصفحة، وله ذيل طويل سريع الحركة يسعى للوصول إلى هدفه أو يموت، أما البييضة فهادئة ساكنة، باقية في مكانها لا تبرحه منتظرة للحيوان المنوي السعيد الذي ينجو بين مئات الملايين من الحيوانات المنوية، إذن فكل واحد من الحيوان المنوي الخارج من الرجل وبييضة المرأة يعبر عن خصائص صاحبه.

3 - الاختلاف على مستوى الأنسجة والأعضاء، والخلايا، يقول الدكتور البار: «والفرق تراه في الرجل البالغ، والمرأة البالغة، كما تراه في المنوي والبويضة.. ليس في ذلك فحسب، بل ترى الفرق في كل خلية من خلايا المرأة، وفي كل خلية من خلايا الرجل، وإذا أردنا أن نقلب الموازين- وكم من موازين قد قلبناها- فإننا نصادم بذلك الفطرة التي فطرنا الله عليها، ونصادم التكوين البيولوجي والنفس الذي خلقنا الله عليه».

وحتى في مجال الدم فإن الخلايا الدموية البيضاء للرجال بين 4000 و8000 كرية /مم3، وللنساء 4000 و7000 كرية/ مم3....

4 - الفروق الهرمونية وعمل الغدد الصماء، فمثلاً للرجل الخصية التي تفرز الهرمونات المذكرة تستستيرون وللأنثى المبيض التي تعتبر من وظيفتها الرئيسية: تكوين وطرح البييضات، وإفراز الهرمونات الأنثوية «الاستروجين، البروجسترون، الريلاكسين».

فهرمون الاستروجين يعتبر مسؤولاً عن زيادة وتكاثر الأنسجة ومسؤولاً عن تركيز الشحم للمرأة وإلى زيادة الشعر في فروة الرأس وتقليله في الجسم، في حين أن هرمون التستستيرون في الرجل يؤدي إلى تركيز البروتين في العضلات، كما أن هرمونات الرجولة أكثر ميلاً للعدوان من هرمونات المرأة.

5 - الحيض الذي تتراوح مدته من يوم وليلة إلى سبعة أيام، والذي له علاقة مباشرة بالتركيب الجسدي والنفساني للمرأة، حيث ينخفض الخصاب الدموي قليلاً، كما ينخفض تعداد الكريات الحمراء، وتركيز جديد للمصل الدموي، أما أثناء الطمس أي ما بين 2-7 أيام أي 5 أيام في الغالب فتنخفض مقاومة البدن العامة مع انخفاض معتدل في عدد الكريات البيضاء، وارتفاع سرعة التنقل الدموي، ومن آثار ذلك التوتر العصبي والنفسي، وسرعة الإثارة، والكآبة، والقلق، وقد تصاب بعض النساء بالصداع النصفي، وفقر الدم «الأنيميا» بسبب النزف الشهري الدموي حيث تفقد ما بين 60 ملل و240 ملل، وإصابة الغدد الصماء بالتغير أثناء الحيض، كل ذلك له دوره في العمل والتفكير والإنتاج وصدق الله تعالى إذ يقول: «وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ» ولذلك خفف الله تعالى عليها الصلاة فلا تصلي أثناء الحيض ولا يجب عليها القضاء، وكذلك تؤخر الصيام.

ماوصلت تعليق