سيرة وآثار الشاعر الحكيم السنائي الغزنوي

سيرة وآثار الشاعر الحكيم السنائي الغزنوي

أبو المجد آدم سنائي الغزنوي، شاعر حكيم، وعارف كبير من القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري. وُلِد هذا الشاعر، والعارف الكبير سنة 467 للهجرة في مدينة غزنة وتوفي عام 529هـ، ووري جثمانه الثرى في نفس هذه المدينة التي تقع اليوم شرقي افغانستان. أمضى سنائي فترة طفولته وشبابه في غزنين، وانهمك في غزنة في تلقي العلوم، والمعارف حتى بلغ الدرجات العليا في جميع علوم ومعارف عصره اعتباراً من الأدب العربي، وحتى الفقه والحديث والتفسير والطلب والفلك والحكمة والكلام بحيث تشهد لنا أعماله ببلوغه هذه المنازل السامقة. كانت أسرة سنائي من الأسر الأصيلة في غزنة، وكان والده صاحب حظ من المعرفة، وأستناداً إلى إحدى الروايات التي نجدها في أعمال سنائي أيضا فقد كان والده يتمتع بمكانة مرموقة في تربية أولاد أعيان عصره.

في مثل هذه الأسرة، وفي ظل بيئة كانت آنذاك مركزاً من المراكز المهمة للفضل والأدب، إنشغل سنائي في تحصيل العلم والمعرفة، واستطاع بفضل تعرّفه على علوم عصره، وتمتعه بلسان فصيح وبليغ، وطبع فياض أن يشق طريقه منذ مطلع شبابه بين الأدباء والفضلاء. قضى سنائي شطراً من حياته في السفر والتنقل، فسافر إلى بَلْخ وسَرَخْس، وهرات، ونيسابور ومدن خراسان الأخرى، وفي خلال هذ الأسفار كان يحضر مجالس وحلقات دروس عرفاء وعلماء عصره مثل محمد بن منصور السرخسي. وتشكل مدائح الأمراء والحكام قسماً من أشعار سنائي وذلك عندما كان يعيش في بلاطهم، ويتنقل بينها كما كان حال أکثر شعراء عصره.

إلا إن سيرته هذه لم تدم طويلاً إذ ما لبث أن عزم على زيارة بيت الله، فتوجه إلى مكة من بلخ. ويرى نقّاد ومحللو اعمال سنائي إن زيارة مكة تركت آثاراً عميقة في قلبه، فتجرد من ظلمات الطمع، وجعله جمال الحق من الوالهين، حتى عزف عن العالم والعالمين، وأضحى شاعراً مستغنياً. وعندما قفل سنائي عائداً من مكة إلى بلخ، برزت عليه آثار التحول، والثورة الفكرية، فعزف عن إنشاد المدائح في بلاطات الملوك، والعيش فيها، ومال إلى الزهد، حيث ترك هذا التحول آثاره على أشعاره، حتى إنه نظم الكثير من الأشعار الدينية، والزهديّة التي أدت إلى تميزه عن الشعراء القدامى الآخرين، في تلك الفترة، وفي مدينة بلخ. وبعد تلك الأسفار الطويلة، والانقلاب الروحي والمعنوي عاد سنائي بعد مدة إلى غزنة، ليختار العزلة، ويعكف على جمع أشعاره العرفانية والأخلاقية. حيث خلف لنا - بالاضافة إلى ديوان قصائده وغزلياته ورباعياته التي تشتمل على أربعة آلاف بيت- عدداً من المؤلفات المنظومة مثل: (حديقة الحقيقة) و(سير العباد إلى المعاد) و(كارنامه بلخ) و(مكاتيب سنائي).

وأما كتاب (حديقة الحقيقة) الذي يعدّ أشهر آثاره على الإطلاق والمعروف أيضا باسم (الهي نامه) أي، الرسالة الإلهية فهو عبارة عن شعر منظوم على أسلوب المثنوي أو المزدوج. وقد بدأ سنائي منظومته هذه بوصف الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم و مدح الخلفاء الراشدین رضی الله تعالی عنهم وخصص فيها أبواباً للحديث عن العقل، والعلم، والعشق، والحكمة، وقد وظف في هذا الكتاب حكايات ممتعة ومشوقة كثيرة لبيان معتقداته وأفكاره. وقد كُتبت إلى الآن شروح كثيرة لهذا الكتاب، وتأثر به شعراء كبار مثل نظامي، وخاقاني في إنشاد منظوماتهم. المؤلف المعروف الآخر لسنائي الغزنوي هو (سير العباد إلى المعاد) وهو عبارة عن منظومة رمزية عرفانية وصف فيها الناظم رحلة خيالية قام بها إلى عالم الروح والمُثُل بلغة متينة وجميلة.

ويرى الكثير من الباحثين، والمهتمين بدراسة أدب سنائي أن هذا الكتاب هو من جملة أشهر المنظومات العرفانية باللغة الفارسية. فيما تعدّ منظومة (كارنامه بلخ) أفضل كتاب لباحثي ودارسي آثار سنائي ذلك لأنه أزاح الستار عن حياته الشخصية، وحياة والده، وبعض من معاصريه في قالب منظومة قصيرة تبلغ ما يقرب من خمسمائة بيت. وقد نُسبت إلى سنائي أيضاً منظومات أخرى مثل (عقل نامه)، و(عشق نامه، )وطريق التحقيق). أّیها الملك! لساني يلهج بذكرك فأنت الطاهر، وأنت الإله أنا لاأسير إلاّ في الطريق الذي اَبَنْته لي أنا عاكف على البحث عن حضرتك وأطلب الفضل دوماً من عندك وأوحّدك ليلي ونهاري، فأنت المستحق للتوحيد لايمكن لأحد أن يصفك فأنت أسمى من أن تستوعبك الأفهام ولايمكن الإتيان بشبيه لك فأنت لا تدركك الأوهام كانت مدينة غزنين في عصر سنائي تغصّ من جهة بالعرفاء والزّهاد الذين أسلموا زمام قلوبهم إلى الخلوات، ومن جهة أخرى فإنها كانت تعجّ أيضاً بالشعراء الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مداحاً للحكام والأمراء إتباعاً لسنة شعراء البلاط.

ولكن يبرز لنا سنائي كواحد من رجال البصيرة في عصره، فلم يستطع الإستمرار في حياة الترف واللذات العابرة تلك، والبقاء في نوم الغفلة طيلة حياته. وإذا ما نظرنا إلى الأشعار التي نظمها سنائي بعد انقلابه الفكري فإن بالإمكان أن نحيط علماً بمعتقداته، فقد جهد من خلال أشعاره في سبيل أن يوقظ الغافلين من نومهم. وإن صرخات الإعتراض التي أطلقها سنائي إحتجاجاً على غفلة الدهر، واإباء مجتمعة مفعمة بالآلام، والعويل، والأمل واليأس، والنقد، واللوم اللاذع. لقد كان يتأمل حال عالم دهره، وينظر في ما انكبت قلوب الناس عليه، فتصيبه الحيرة، وتعقد لسانه الدهشة، فيطلق صرخته بغضب وسخط معلناً أن الدنيا دار غرور ويأس.

وهكذا فقد حذر سنائي كفعل الشاعر ناصر خسرو الناس من الإنغماس في مستنقع الحياة الدنيوية، ووجّه سهام نقده إلى مفاسد عصره، مذكراً مخاطبيه، ومستمعيه بالموت، وسرعة الرحيل عن دار الزوال والفناء، قائلا: قبل أن تعجز هذه النفس المختلقة للمعاذير عن النطق وقبل أن تفقد بصيرتك إعتبرْ - أيّها الانسان- وخذ الدروس فإلى متى تبقى في دار الغرور هذه حريصاً عيناك متطلعتان كعيون النرجس ويداك ممدودتان كأيدي الأشجار؟ المصدر: http://arabic.irib.ir/index.php