الشوری

لاشك أن الاستبداد والدكتاتورية كانت وما تزال علی مدی التاريخ من أهم الحواجز أمام الرقي والنمو والوحدة والوئام والرفاهية، في حياة البشر، وكانت من أبرز بواعث الظلم تجاه الناس، سواء كان علی مستوي العلاقات الفردية والاجتماعية أو في النظم السياسة والاقتصادية. 

والاستبداد في أبسط معانيه هو أن تكون قوة التنفيذ واتخاذ القرار والموارد في يد شخص واحد أو فئة معينة بحيث لا يكون للناس دور في تفويضها إلی الآخرين أو الرقابة علی كيفية استخدامها. 

والاستبداد بما له من أضرار اجتماعية وأخلاقية واقتصادية وسياسية جمة، قد تحداه الأنبياء علی مدی التاريخ. والتوحيد هو الأساس في النضال ضد الاستبداد والدكتاتورية في كل الأديان السماوية، لأن التوحيد قد ساوي بين كل أبناء البشر في القيم والمسؤوليات الإنسانية وجعل مصيرهم في الآخرة مبنياً علی أعمالهم المكتسبة في الدنيا. 

ولذلك قد جعل الله الشوري قاعدة‌ أساسية ‌لتنظيم العلاقات الاجتماعية علی مستوي الأسرة والمجتمع والحكومة، حتي يستأصل شأفة الاستبداد من حياة البشر ويساهم كل أفراد المجتمع في تقرير مصيرهم وتقرير كل ما يهُمُّ الأسرة والمجتمع والحكومة، مع احترام كرامة الإنسان وقيمته ومكانته. 

والشوري من الناحية السياسية، عقد بين الحكام والمواطنين يلتزم الحكام فيها بموجبه بتنفيذ أوامر الله ورسوله، کما يلتزم المواطنون فيها بإطاعة أوامرهم في إطار القوانين الشرعية، وبنقد الحكام ونصحهم إذا ما خالفوا أوامر الله ورسوله، وقد أشارت الآية 59 من سورة النساء إلی هذا الأمر مبينة أن إدارة المجتمع الإسلامي تكون جماعية لا فردية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء/59). 

هذا وأنّ الحكم في عصر الرسول r والخلافة الراشدة کان مبنيا علی أساس الشوري وفي عصر الخلافة كان الخليفة منفّذاً‌ لأوامر الشوري (أهل الحل والعقد). وبعد نهاية هذا العصر قد حلت القرارات الفردية في كثير من الأحيان محل الشوري ولاشك أن هذه القضية كانت من أبرز عوامل الاختلاف والتفرق بين المسلمين. 

وأدرك تيار الصحوة الإسلامية المعاصرة هذه القضية، فجعل تجديد الشوري علی مختلف المستويات من أبرز أهدافه، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو دولية، آملاً أن يقيم المسلمون مجتمعا مبنيا علی المساواة والحرية وأن يکون نظام الحكم فيه معتمداً علی آراء الناس، وملتزما بقرارات الشوري. 

من هذا المنطلق فإنّ جماعة الدعوة والإصلاح الإيرانية لا تنظر إلی الشوري کأداة لإدارة الحكم والمجتمع فحسب، بل وکمبدأ  وأصل ثابت لابد أن يحکم علی كل عناصر المجتمع والجماعة. والجماعة تعتقد أنه لا يمکن الوصول إلی الحرية والتضامن المنشودين إلا بالشوري، وأنّ استقرار الشوري يتطلّب آليات ملائمة، نذكرها فيما يلي:

الحل

التعليم والتثقيف 

إن تعليم أفراد المجتمع بالطرق المختلفة، هو أهم وسيلة‌ لتحقيق مفهوم الشوري وتنفيذه في كل جوانب المجتمع وانسيابها في النشاطات الفكرية‌ والعملية وتبدأ آلية هذا الأمر بالتعليمات التمهيدية في الأسرة التي تشکّل اللبنة الأولي والتي يتعلم الأبناء فيها الممارسات المبنية علی الشوري من سلوك آبائهم وأمهاتهم. واستمرار تعليم الشوري يحتاج إلی اهتمام بالغ من المدارس والمعاهد التعليمية بهذه القاعدة الأساسية علی المستويين، العملي والفكري. ولابد أن يکون للمساجد والمعاهد الدينية ووسائل الإعلام والمؤسسات المدنية أيضاً‌ دور هام في تثبيت الشوري وتوطيد الاعتقاد بأهميتها. والأهم من ذلک کلّه فإنّ عمل الحكام علی أساس الشوري وخلق الأجواء المناسبة لمساهمة المواطنين، سوف يكمل الدور الإيجابي للعوامل الآنفة الذکر. 

إنّ جماعة الدعوة  والإصلاح الإيرانیة، تهتم بالشوري في تربية الأفراد وتنفيذه عملياً وتعتني بالعقل الجمعي في عملية صنع القرار وتحاول أن تجعل النظام المبني علی الشوري سائداً بين کلّ شرائح المجتمع، وأخيراً أن يستمدّ نظام الحکم سيادته من الشوري. 

إنشاء المؤسسات الأهلية أو المساهمة فيها 

تری جماعة الدعوة والإصلاح أن إنشاء المؤسسات الأهلية والمساهمة فيها، یعتبران من الوسائل الملائمة، لممارسة النشاطات الاجتماعية وإحياء‌ الشوري في المجتمع، ونعتقد أن "الديموقراطية الاستشارية" التي بيّنها بعض كبار علماء الاجتماع المعاصرين في آرائهم، لايكون لها تأثير بدون مساهمة أعضاء المجتمع وشعورهم بالمسؤولية، وتعتبر المؤسسات الأهلية مناخاً ملائمة للوصول إلی هذا الهدف.