المدخل

بسم الله الرحمن الرحيم  

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام علی رسول الله وعلی آله و‌أصحابه وأتباعه أجمعين إلی يوم الدين. 

لاشك أنّ الإنسان بما له من خصائص كنفخ روح الله فيه وكونه ذا عقل ونطق واختيار و. . .، له مكانة خاصة بين سائر المخلوقات، وأنّه خلافاً لسائر المخلوقات يستطيع أن يغيّر الكون وينمّي الحضارة والتكنولوجيا بما له من طموحات وعقل مدبّر. فالإنسان وهو صاحب كلّ هذه الصلاحيات، لايزال في اكتمال وازديادٍ كمّاً وكيفاً. ونوعية عمل هذه الصلاحيات في حياة الإنسان ومصيره، إنما تتعلّق أساساً بكيفية وجوده. ووجودنا نحن الآدميين إنما هو حصيلة التوارث والذات والبيئة، وتحاول المجتمعات البشرية أن ترشد عملية تربية الإنسان وأثر هذه العوامل الثلاثة في تکوين شخصيته نحو المقاصد المرجوّة بالتعليم والتربية والمؤسسات المعنية بها، لکي یتمّ بناء الفرد الفاضل والمهذب، والمجتمع المتجاوب مع الفضائل حتي تتمتع الحياة الفردية والاجتماعية للبشر بالكمال والطمأنينة والازدهار. 

بناءً علی ذلك، وفي نهایات العهد البهلوي قد وصل فئة من العلماء والمفكرين من أهل السنة والجماعة في إيران بعد مشاورات مكثّفة - مستلهمين من تعاليم القرآن والسنة النبوية والتيار العالمي للصحوة الإسلامية - إلی أن النجاح في الحياة وصيانة الشخصية وكمالها وأداء الدور الإيجابي في المجتمع، يحتاج إلی توحيد الأفكار والخطوات حتي يتناجوا بالغدو والآصال مع الكون المسبّح للرب، المقدس له، شعار"اياك نعبد واياك نستعين". وفي النهاية قرّروا أن يدخلوا ساحة العمل، بمرجعية مدرسة الإسلام، مؤكدين علی القيم الأساسية؛ "التوحيد في التصور، والأخلاق في الحياة الفردية، والحرية والعدالة في الحياة الاجتماعية " وكل ذلك في ضوء فقه الأحكام ومقاصد الشريعة وفقه الواقع وفقه الأولويات، متوكلين علی الله الخالق القادر، وأن يحققوا طموحاتهم ويواصلوا خطواتهم بانتهاج تربية الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، في ضوء تعاليم القرآن الكريم. 

كانت حصيلة تلك المشاورات، أن برزت جمعية مدنية ذات مرجعية إسلامية، والتي تسمّی اليوم "جماعة الدعوة والإصلاح الإيرانیة" والتي لها نشاطات واسعة في كل المناطق التي تقطنها أهل السنة والجماعة في إيران. 

ولقد حظيت الجماعة بفضل ‌الله وجهود أتباعها المخلصين -رغم الصعوبات الكثيرة- بمصاحبة جمع غفير من أهل الصلاح والدين من أهل السنة في إيران، من مختلف شرائح المجتمع كعلماء الدين وأساتذة الجامعات، والمفكرين، والمعلّمين، وطلاب الجامعات، وطلبة المدارس الشرعیة الأهلیة، والسوقة والعمال وغيرهم. کما حاولت الجماعة أن يكون لها دور إيجابي في أداء مسؤولياتها الدينية والإنسانية المختلفة، كالدعوة إلی مبادئ الإسلام الأصيل بالحكمة والموعظة الحسنة، والتربية الأخلاقية والدينية لتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، وبذل الجهد لبناء المساجد والمدارس الشرعیة الأهلیة وتأليف الكتب وترجمتها وطبع المقالات والكتب العقدية‌ والفقهية والتاريخية وغيرها ونشرها علی مستوی البلاد، والدفاع عن إقامة الحرية والعدالة في البلاد، وخاصة بذل الجهد لتسليط الضوء علی حقوق أهل السنة والجماعة ومطالباتهم والدفاع عنها في الإعلام، ودعم مشروع التنمیة السیاسیة سعیا لإيجاد مناخ يتيح للمواطنين الدخولَ في عملية المشارکة والمنافسة السياسية، واتخاذ خطوات لتحقيق التقارب بين أتباع المذاهب الإسلامية، مؤكدةً علی ضرورة قبول الآخر كشرط مُسبق للوحدة وحفظ الأمن والوئام في المجتمع و... . 

وفي الوقت ذاته تدرك جماعة الدعوة والإصلاح مكانتها ومسؤوليتها الدينية وخطورتها، وتدرك شرف المواطن الإيراني وكفاءته ورشده، فهي لا تباهي بهذه الجهود المتواضعة، وإنّما تباهي بما كان لها من نشاطات طويلة المدی في ظروف إيران الخاصة، ولم تقم بأي عمل يخالف مصالح الشعب الإيراني وعزّه وفخاره. 

وقد قرّرت الجماعة في الفترة الأخيرة من نشاطاتها، أن تبدي عن مبادئها الأساسية ومواقفها بشکل وجیز للمواطنين وخاصة الناشطين في الساحتين الاجتماعية والسياسية، كي تعرّف نفسها بطريقة جيدة وتهيئ المجال للتعامل مع الآخرين. وبذلك تكون الجماعة قد اعتنت بحقوق المواطنين في تعرّفهم علی القوی الناشطة في المجتمع، وأنّها قد عرّفت نفسها حسبما تريد. 

إنّ جماعة الدعوة والإصلاح الإیرانية، بما أنها لا تعتبر برامجها التفسيرَ الوحيد والأصحّ للإسلام، فهي ترحب باقتراحات المفكرين والناشطين، وانتقاداتهم وترنو إلی يوم يبلغ "التوحيد في التصور، والأخلاق في السلوك الفردي، والحرية والعدالة في الاجتماع" أقصی مداه، حتی يستطيع الناس أن يعبدوا الخالق ويخدموا الخلق في عالم عامر بالخير. وما ذلك علی الله بعزيز.